خطاب النظام الإيراني.. "متجر صغير" لبيع الرعب وصناعة الوهم

في وقت يقترب فيه النظام الإيراني من فشل شبه كامل على المستويين الداخلي والخارجي، يعتمد تكتيكه على تقليد فقهي قديم: خطاب التهديد والاستعراض.
صحافي

في وقت يقترب فيه النظام الإيراني من فشل شبه كامل على المستويين الداخلي والخارجي، يعتمد تكتيكه على تقليد فقهي قديم: خطاب التهديد والاستعراض.
تصريحات رجال الدين الحادة في التجمعات الليلية، والبيانات التلفزيونية للمسؤولين من المستويات المتوسطة وصولاً إلى الخطابات الرسمية لكبار المسؤولين في المفاوضات، ووسائل التواصل الاجتماعي، وفي النهاية الرسائل المكتوبة للمرشد الأعلى للنظام، كلها تستند إلى هذا الأسلوب.
قصة "أشعلت النار في رأسمالي" معروفة: بائع في السوق تعثّر عمله وتكدست بضاعته، فيرسل مساعده إلى السوق وهو يحمل غالون نفط ليصرخ: "صاحب المتجر فقد عقله، يريد أن يحرق كل شيء!".
فيهرع الناس خوفًا طمعًا في البضائع الرخيصة، بينما يصرخ البائع نفسه: "سأحرق كل شيء…" حتى تُباع البضائع بسعر أعلى.
والآن يبدو أن النظام الإيراني يستخدم التهديد والاستعراض بطريقة مشابهة لبيع أفكاره داخليًا وإقليميًا وعالميًا.
من على المنابر، يهدد رجال الدين المعارضين في الداخل بالموت. وفي الخارج يهدد نائب رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، محمود نبويان، حكام الدول العربية قائلاً إن "لا قصر سيبقى سالمًا".
ويتحدث وزير الخارجية، عباس عراقجي، على شبكات التواصل عن "رد طويل ومؤلم".
يستخدم المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، لغة استعراضية حتى في المؤتمرات الدبلوماسية.
ويتحدث رئيس القضاء غلام حسين محسني إيجئي عن "عدم القابلية للفرض".
وأما القائد السابق في الحرس الثوري، حسين كنعاني مقدم، فيعترف بأن "خطاب التهديد هو أحد أساليب مواجهة العدو".
وهكذا أصبحت مؤسسات النظام تتحدث بلغة واحدة؛ وهذا ليس مصادفة، بل أسلوب حكم.
الأساس الفقهي
خلف هذا الخطاب يوجد إطار فقهي-أيديولوجي يرتكز على أن: إخافة العدو تُعد بحد ذاتها نوعًا من النصر.
وخلال الحرب الإيرانية- العراقية، أعادت شخصيات، مثل المنشد الإيراني الشهير، صادق آهنكران، ورجل الدِين، غلام علي سبزواري، إحياء هذا الأسلوب عبر مكبرات الصوت في الجبهات، وأصبح جزءًا رسميًا من الحرب.
كان دور "المُنشِد الاستعراضي" حينها محدودًا في الجبهات أو الخطاب الداخلي. أما اليوم فقد خرج هذا الأسلوب من إطاره السابق وانتشر في كل مؤسسات النظام.
وحين يتحول وزير الخارجية إلى خطاب تهديد على منصة "إكس"، فإن الاستعراض يحل محل الدبلوماسية.
وحين يهدد نائب في البرلمان قادة الدول الأخرى بدلاً من الحديث عن التشريع والميزانية، يصبح الاستعراض بديلاً عن العمل البرلماني.
وحين يتحدث رئيس القضاء بلغة تهديد بدلاً من الحديث عن القضايا والأحكام، يتحول القضاء نفسه إلى خطاب استعراضي.
وحتى فريق التفاوض يستخدم اللغة نفسها المستخدمة في المنابر.
وهكذا أصبح الاستعراض لغة النظام المشتركة، وليس مجرد أداة.
خلل خلف الخطاب
لكن لماذا وصل النظام إلى هذا الأسلوب؟
الإجابة بسيطة: لأنه لم يعد يملك شيئًا آخر. إنه يشبه البائع المتعثر الذي فقد كل شيء.
نظام فشل في الدبلوماسية، وفي الاقتصاد، وفي التفوق العسكري، وفي كسب المجتمع، ولم يبقَ له سوى التهديد.
يرسل أفراده في كل اتجاه ليصرخوا: "صاحب المتجر فقد عقله!".
ويعتقد النظام أن التهديد يخفي ضعفه، لكن الخوف سلاح ذو حدين. فكلما زاد التهديد، لا يرى الناس قوة بل ضعفًا متزايدًا.
وفي إيران 2026، مع تضخم مرتفع، وبطالة واسعة، وانقطاع الإنترنت، واقتصاد على حافة الانهيار، لم تعد التهديدات تثير الخوف، بل أصبحت أقرب إلى كوميديا سوداء تثير السخرية.

أثار إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، تأجيل ضربة عسكرية كانت مقررة ضد إيران مزيدًا من الغموض في طهران، حيث لا يزال المسؤولون والمحللون منقسمين بشأن ما إذا كانت واشنطن تناور سياسيًا، أو تكسب الوقت، أو تستعد لجولة جديدة من الهجمات.
وقال ترامب، يوم الاثنين 18 مايو (أيار)، إنه أرجأ هجومًا كان مخططًا له يوم الثلاثاء، قبل أن يحذر من أن الولايات المتحدة لا تزال مستعدة لتوجيه ضربات قاسية لإيران.
وكتب نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون القانونية والدولية، كاظم غريب آبادي، على منصة "إكس": "تقول الولايات المتحدة إنها أوقفت مؤقتًا الهجوم على إيران لإعطاء فرصة للدبلوماسية، لكنها في الوقت نفسه تتحدث عن استعدادها لشن هجوم واسع النطاق في أي لحظة. هذا يعني تقديم التهديد على أنه فرصة للسلام".
وأضاف أن إيران مستعدة لمواجهة "أي عدوان عسكري"، وأن "الاستسلام لا معنى له" بالنسبة لبلاده.
ومن جهته، اتهم مستشار المرشد الإيراني والقائد الأسبق للحرس الثوري، محسن رضائي، ترامب بتحديد مهل عسكرية ثم التراجع عنها في محاولة لإجبار إيران على الخضوع، محذرًا من أن القوات المسلحة الإيرانية "ستجبر أميركا على التراجع والاستسلام".
وقال غريب آبادي لاحقًا أمام أعضاء البرلمان إن المقترح الإيراني الأخير المقدم إلى واشنطن يتضمن مطالب من بينها الاعتراف بحق إيران في تخصيب اليورانيوم، ورفع الحصار البحري الأميركي، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، وإنهاء العقوبات، دون الكشف عن رد واشنطن.
ونقلت منصة "آوش ميديا" الإخبارية الإيرانية عن "مصدر مقرّب من فريق التفاوض" أن واشنطن وافقت على بعض الشروط الإيرانية، ومنها إنهاء النزاعات الإقليمية وإنشاء صندوق لإعادة الإعمار.
وفي المقابل، قال نائب الرئيس الأميركي، جيه دي فانس، يوم الثلاثاء إن واشنطن وطهران حققتا "تقدمًا كبيرًا" في المحادثات، وإن أيًا من الطرفين لا يريد العودة إلى الحرب.
وقال المحلل السياسي، جلال ساداتيان، لموقع "فرارو" إن هذه التصريحات يجب أن تُفهم "في إطار العلاقة الحالية بين إيران والولايات المتحدة، التي تمر بمرحلة من الاستنزاف السياسي والضغوط المتبادلة".
وأضاف: "هناك تصور في طهران بأن الولايات المتحدة تستخدم التهديد العسكري حاليًا كأداة ضغط سياسي أكثر من كونها مستعدة فعلاً للحرب".
وأوضح أن إيران تخشى أن يؤدي تقديم تنازلات كبيرة تحت الضغط الحالي إلى توسيع المطالب الأميركية لاحقًا لتشمل برنامج الصواريخ والنفوذ الإقليمي، ولهذا فإن سياسة طهران الحالية تقوم على "ضبط النفس، والحفاظ على الجاهزية، ومواصلة المفاوضات الطويلة".
من جانبه، شكك الصحافي الإصلاحي، أحمد زيد آبادي، في مصداقية ترامب، قائلاً إنه إذا كانت رواية الرئيس الأميركي صحيحة "فيجب التشكيك جديًا في الحد الأدنى من حساباته العقلانية".
وأضاف: "ألا يعلم ترامب الكارثة التاريخية التي قد تنتج عن استئناف الحرب في المنطقة بأكملها؟ وهل كان ينوي استئناف الحرب دون التشاور مع حلفائه؟".
ورغم ذلك، حذّر عدد من المحللين ووسائل الإعلام المحافظة من أن احتمال التصعيد العسكري لا يزال مرتفعًا.
واعتبرت صحيفة "خراسان" المحافظة، المقربة من رئيس البرلمان، محمد باقر قاليباف، أن واشنطن قد تسعى إلى "فتح باب المفاوضات عبر ضربة محدودة لكنها مؤثرة".
كما قال أستاذ العلاقات الدولية، إحسان موحديان، إن "احتمال اندلاع الحرب خلال الأيام المقبلة مرتفع جدًا"، مضيفًا أن عدم وقوع مواجهة الأسبوع المقبل "لا يعني زوال الخطر".
ورأى بعض المعلقين الإيرانيين أن تأجيل الهجوم قد يكون مرتبطًا بصعوبات ميدانية أكثر من ارتباطه بوساطات إقليمية.
وكتب علي قلهكي، المقرّب من قاليباف، أن "سبب تأجيل الهجوم على إيران يبدو مختلفًا عن طلبات القادة العرب، فالولايات المتحدة وإسرائيل لا تزالان غير واثقتين من قدرتهما على ضرب الأهداف الرئيسية".
أما الصحافي داود مدرسيان، فربط بين الزيارة المطولة لوزير الداخلية الباكستاني، محسن نقوي، إلى إيران واحتمال وجود جهود لجمع المعلومات الاستخباراتية.
وقال: "قد يحاولون، بذريعة نقل الرسائل، تعقب مواقع القادة والمسؤولين العسكريين وتحديدها".
بعد عامين على اختفاء مروحية الرئيس الإيراني السابق، إبراهيم رئيسي، في الضباب، فقدت إيران أكثر بكثير من مجرد رئيس: فقدت خطة الخلافة، ودرعها الإقليمية، وهالة الأمان، والثقة بأن الزمن كان في صالحها.
وفي 19 مايو (أيار) 2024، اختفت مروحية كانت تقلّ "رئيسي" وسط جبال محافظة أذربيجان الشرقية في إيران. وخلص التحقيق الإيراني النهائي إلى أن السبب كان سوء الأحوال الجوية، والضباب الكثيف، والظروف الجوية، وليس عملية تخريب.
السقوط كاستعارة
لكن الصورة كانت أقوى من أن يتم تجاهلها: موكب قيادة يتحرك وسط ضعف الرؤية، يفقد قدرته على التبيّن، ثم يحاول أن يُظهر دولة لا تزال تسيطر على الوضع.
وهذا هو التفسير الأفضل لوفاة "رئيسي".. كاستعارة، لا كمؤامرة.
لم يُغيّر هذا الحادث إيران؛ لأن "رئيسي" كان يحكمها فعلاً. لم يكن كذلك. فمركز السلطة الحقيقي كان أعلى منه، لدى المرشد الراحل، علي خامنئي، والحرس الثوري، وأجهزة الدولة الأمنية، والشبكات الإقليمية التي بنتها طهران على مدى عقود.
كان "رئيسي" مهمًا لأنه كان يُجسّد شكل "الاستمرارية" المفترضة. كان مواليًا، متشددًا، صارمًا، ويمكن التنبؤ به؛ شخصية طُرحت سابقًا كأحد المرشحين المحتملين لخلافة خامنئي.
لم يكن "رئيسي" مستقبل النظام الإيراني، بل كان "تجربة تمهيدية" لمستقبل لم يصل أبدًا.
وفي مايو 2024، بدا أن النظام لا يزال يمتلك خطة خلافة، ودرعًا إقليمية، وصبرًا استراتيجيًا لانتظار خصومه. لكن بعد عامين، تم اختبار أو كسر تقريبًا كل الركائز التي جعلت طهران تبدو عصيّة على الاختراق.
لا ملاذ آمنًا
كان العدّ التنازلي قد بدأ بالفعل في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023.
فقد فتح هجوم حماس على إسرائيل حربًا دفعت الشبكة الأوسع لإيران إلى الحركة: حزب الله في لبنان، الميليشيات في العراق وسوريا، والحوثيون في اليمن. لسنوات، كانت هذه هي عقيدة طهران القائمة على "العمق الاستراتيجي".
لكن بعد 7 أكتوبر، تحوّل هذا العمق إلى "خريطة أهداف".
وبحلول أبريل (نيسان) 2024، انتقلت إيران وإسرائيل من حرب الظل إلى مواجهة مباشرة. ثم بعد شهر واحد، سقطت مروحية رئيسي في الضباب.
وردّت طهران بطقوس الحداد المعتادة: توابيت، رايات سوداء، صور، رجال دين وقادة عسكريون. كانت الرسالة هي الاستمرارية.
ولكن بعد رئيسي، بدأت الجنازات تروي قصة مختلفة. واحدة تلو الأخرى، لم تعد تشير إلى الاستمرارية، بل إلى الانكشاف: نظام يفقد الأشخاص والأماكن والشبكات التي كانت تمنحه شعورًا بالحماية.
وأجبر موت "رئيسي" النظام على إجراء انتخابات مبكرة. فاز مسعود بزشكيان، ذو الطابع الإصلاحي، بالرئاسة بعد جولة أولى اتسمت بأدنى نسبة مشاركة في التاريخ. حصل النظام على وجه أكثر ليونة، لكنه لم يحصل على مركز قوة جديد.
ثم جاءت أول إهانة كبرى في مرحلة ما بعد رئيسي.
جاء القائد السياسي في حماس، إسماعيل هنية، إلى طهران لحضور تنصيب بزشكيان. وبعد ساعات، قُتل في العاصمة الإيرانية.
لم يكن هذا مجرد قتل لزعيم في حماس، بل رسالة بأن حتى عاصمة "الراعي" لم تعد ملاذًا آمنًا.
وهذا أصبح عنوان المرحلة التالية.
وفي سبتمبر (أيلول) 2024، انفجرت أجهزة الاتصال (البيجر) وأجهزة الاتصال اللاسلكي التابعة لحزب الله في لبنان وسوريا، لتتحوّل أدوات الاتصال الخاصة بالجماعة إلى سلاح ضدها. وبعد أيام، قُتل أمين عام حزب الله اللبناني، حسن نصر الله، في بيروت.
قد تم اختراق حركة بُنيت على السرية والقيادة تحت الأرض من الداخل، وضربها من الأعلى.
ثم قُتل قائد حماس في غزة، يحيى السنوار. وبقيت حماس، وبقي حزب الله، وبقيت الشعارات. لكن "المحور" كان ينزف قادةً وأراضي ومسارات وثقة.
وجاء الكسر الأعمق في سوريا.
لم يكن سقوط بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024 مجرد فقدان حليف آخر لنظام طهران. بل أضر بجغرافيا النفوذ الإيراني: طريق الوصول إلى حزب الله، والواجهة المتوسطية، وادعاء حقبة قاسم سليماني بأن الدول الضعيفة يمكن تحويلها إلى عمق إيراني.
وبحلول يونيو (حزيران) 2025، انتقلت الحرب إلى داخل إيران نفسها.
فقد شنت إسرائيل ضربات على مواقع نووية وعسكرية خلال "حرب الـ 12 يومًا". ثم ضربت الولايات المتحدة أكثر أجزاء البرنامج النووي تحصينًا.
لسنوات، كان الغموض النووي درع طهران. في عام 2025، أصبح ساحة معركة.
ثم التقى الضغط الخارجي بالجبهة الداخلية.
كانت الاحتجاجات التي اندلعت في أواخر 2025 وبداية 2026 مدفوعة بانهيار اقتصادي، وقمع، ومطلب قديم بتغيير النظام السياسي. وبحلول 8 و9 يناير (كانون الثاني) الماضي، ردّت الدولة بعنف واسع وقطع للإنترنت.
إيران تتجاوز عتبة سياسية
كان بإمكان إيران أن تطلق النار وتعتقل وتُرهب، لكنها لم تعد قادرة على إقناع عدد كافٍ من مواطنيها بأنها تمتلك مستقبلاً.
حتى الصدمات خارج الشرق الأوسط بدأت تبدو جزءًا من المناخ نفسه. فاعتقال الولايات المتحدة للرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو، في يناير 2026 لم يعد يُقرأ كقصة إيرانية بقدر ما أصبح مؤشرًا على "مناخ عام": حاكم آخر معادٍ لأميركا، كان محميًا سابقًا بالسيادة والبعد الجغرافي، أصبح مكشوفًا فجأة.
ثم، في 28 فبراير (شباط) 2026، وصلت الحرب إلى قلب مؤسسة الحكم في النظام الإيراني: القيادة العليا.
قُتل علي خامنئي في ضربات أميركية- إسرائيلية. بالنسبة لدولة تقوم على ولاية الفقيه، لم يكن هذا مجرد موت حاكم، بل كسرًا لهالة السلطة.
وتم تعيين مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى بعد أيام. كان الهدف من التعيين إظهار الاستمرارية، لكنه بدلًا من ذلك جعل النظام الإيراني يبدو أصغر وأكثر انغلاقًا وأقرب إلى الوراثة.
والثورة التي اندلعت ضد "الملكية"، أصبحت تنقل أعلى منصب فيها من الأب إلى الابن في زمن الحرب.
الجنازة التي لم تحدث
ثم جاءت أغرب جنازة على الإطلاق: الجنازة التي لم تستقر.
أجلت إيران جنازة خامنئي الرسمية. وبعد أشهر، ظل مكان دفنه غير محسوم. بالنسبة لدولة ثورية شيعية عرفت دائمًا كيف تحوّل الموت إلى قوة، كان هذا التأخير مذهلاً.
لقد فقدت "جمهورية الجنازات" السيطرة على أهم طقوسها.
كان النموذج القديم يقوم على أربع طبقات: في الداخل، كان الخوف يضبط المجتمع. في السياسة، كانت الانتخابات تمنح الدولة قناعًا مدنيًا. في الإقليم، كان الوكلاء يبعدون الأعداء عن حدود إيران. وعلى المستوى الاستراتيجي، كانت الصواريخ والغموض النووي ومضيق هرمز تجعل كلفة الهجوم غير محسوبة.
ومنذ سقوط رئيسي، تضررت كل هذه الطبقات.
والخوف أنتج تمردًا. الانتخابات كشفت عن الفراغ أكثر مما كشفت الشرعية. العمق الإقليمي تعرض للاختراق. سوريا خرجت من المعادلة. حزب الله وحماس تعرضا لضربات قاسية. مكتب المرشد الأعلى فقد هالة "عدم المساس".
يبقى مضيق هرمز أقوى أوراق إيران، لكنه يكشف أيضًا الفخ. فالمضيق يمنح طهران نفوذًا على النفط والشحن والأسواق العالمية، لكنه يبقيها أيضًا في قلب أزمة لا تستطيع إنهاءها بسهولة.
وهذه ليست قصة نظام سقط بالفعل. فالنظام الإيراني ما زال يمتلك السجون والصواريخ والقادة وذاكرة طويلة للبقاء.
لكنها أيضًا ليست القصة التي تريدها طهران.
وقبل عامين، كانت وفاة رئيسي تُغلف بلغة "الشهادة والاستمرارية". وقالت الدولة إنه لم يُفقد أي شيء جوهري.
لكن ما تلا ذلك كشف عن مدى ضيق هامش الخطأ الذي بقي أمام النظام الإيراني.
لم يبدأ الحادث سلسلة الأحداث، فـ7 أكتوبر كان قد بدأ بالفعل عدّاد الزمن. لكن وفاة رئيسي منحت السنوات التالية صورتها: ضباب، ضعف رؤية، قافلة تفقد الاتصال، ودولة تصرّ أن الطريق أمامها واضح.
وبعد عامين، لا تزال إيران تسقط داخل ذلك الضباب.
ولم يعد السؤال ما إذا كانت النظام الإيراني قادرًا على النجاة من أزمة أخرى؛ فقد نجا من أزمات كثيرة.
بل السؤال هو: هل يستطيع النظام النجاة من فقدان العناصر التي جعلت البقاء ممكنًا أصلاً: المسافة، والخوف، والخلافة، والملاذ، والاعتقاد بأن الزمن كان في صفه؟
تتجه المقاهي وثقافة ارتيادها في إيران نحو الانهيار، جراء أزمة اقتصادية عميقة؛ حيث أدى الارتفاع الحاد في الأسعار وتراجع المداخيل إلى إجبار أصحاب هذه المشاريع والزبائن، على حد سواء، للوصول إلى طريق مسدود والتراجع.
وفي هذا الصدد، صرح رئيس اتحاد المقاهي (الكافي شوب) في طهران، محسن مبرّا، لصحيفة "دنياي اقتصاد"، بأن تكلفة إدارة المقاهي تضاعفت لأكثر من مرتين، في حين انخفض عدد الزبائن في الأشهر الأخيرة بنسبة تصل إلى 50 في المائة، مما أدى إلى إغلاق نحو 40 في المائة من المقاهي.
وأضاف: "الاستمرار في النشاط لا يعني بالضرورة تحقيق أرباح؛ فالأرباح في هذا القطاع في تراجع مستمر. ونتيجة لذلك، فإن المقاهي المستأجرة أو تلك التي لا تملك دعمًا ماليًا قويًا، تسير نحو الإغلاق الكامل".
المقاهي.. إحدى المساحات العامة القليلة المتبقية
على مدى العقدين الماضيين، تحولت المقاهي إلى جزء رئيسي من الحياة الحضرية في إيران؛ بدأت هذه الظاهرة في طهران أولاً، ثم امتدت إلى المدن الأخرى.
وفي ظل المحدودية المستمرة لخيارات الترفيه منخفضة التكلفة، باتت المقاهي واحدة من المساحات القليلة المتاحة للشباب للتواصل الاجتماعي، والعمل، وقضاء الوقت خارج المنزل.
وكان العديد من المقاهي يؤدي دورًا يتجاوز مجرد تقديم القهوة أو الوجبات الخفيفة؛ إذ كانت تحتضن أمسيات شعرية، وعروضًا موسيقية صغيرة، ومعارض صور، وتجمعات غير رسمية، لتشكّل بيئة نادرة للتفاعل الاجتماعي في وقت أصبحت فيه العديد من المساحات العامة الأخرى خارج الخدمة أو غير متاحة.
وحتى قبل بضعة أشهر، كان هناك نحو ستة آلاف مقهى بمختلف الأحجام تنشط في طهران وحدها، إلا أن انهيار القدرة الشرائية للمواطنين فرض ضغوطًا شديدة على هذا القطاع.
تقول ساناز (28 عامًا)، وهي سكرتيرة في شركة خاصة، إنها كانت ترتاد المقاهي مع أصدقائها عدة مرات في الأسبوع، لكن الآن، ومع الارتفاع الحاد في تكاليف الغذاء والنقل والسكن، بات حتى هذا الترفيه البسيط يتطلب حسابات دقيقة.
وتضيف: "يتعين عليّ حساب كافة النفقات، حتى هذا الترفيه البسيط، لأتمكن فقط من تدبير أموري حتى نهاية الشهر؛ هذا بالطبع إن لم أفقد وظيفتي". وأردفت ساناز: "إذا أصبحت عاطلة عن العمل، سأضطر بعد سنوات من الاستقلال المالي إلى العودة للعيش في منزل والديّ في مدينتنا".
بطالة واسعة في صفوف الشباب والنساء
أدى إغلاق المقاهي وتقليص حجمها إلى فقدان العديد من العاملين- وغالبيتهم من الشباب والنساء- لوظائفهم.
شانا (26 عامًا)، بعد اجتيازها دورة احترافية لإعداد القهوة (بارسيتا)، بدأت العمل في أحد فروع سلسلة مقاهي "سعدي نيا"، لكن في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أغلقت فروع هذه المجموعة فجأة، وذلك بعد أن أعلن مالكها دعمه للمحتجين المعارضين للنظام، لتندلع الحرب بعد ذلك بوقت قصير.
وتقول شانا: "حتى المقاهي التي نجت من الأزمة الاقتصادية لم تعد توظّف عمالة جديدة، بل إن الكثير منها يقوم بتسريح الموظفين الحاليين". وأضافت: "ليس لديّ أي أمل في العثور على وظيفة، حتى لو تعلمت مهارات جديدة مثل الطهي أو غيره. الاقتصاد يزداد سوءًا يومًا بعد يوم، وسوق العمل ينكمش باستمرار".
القهوة.. سلعة فاخرة
تحولت القهوة في إيران الآن إلى سلعة فاخرة. ورغم أن الشاي لا يزال المشروب التقليدي الأساسي في البلاد، فإن استهلاك القهوة شهد نموًا كبيرًا في السنوات الأخيرة. ومع ذلك، فإن الارتفاع الحاد في أسعار صرف العملات الأجنبية والاضطراب في حركة الاستيراد أدى إلى قفزة في أسعار القهوة، مما دفع العديد من العائلات إلى تقليص استهلاكها أو الإقلاع عنها تمامًا.
وعلى الرغم من انخفاض الأسعار العالمية للقهوة، فإن أسعار حبوب البن في إيران- والتي كانت تُستورد أساسًا عبر دولة الإمارات العربية المتحدة قبل الحرب- تضاعفت تقريبًا.
وانعكس هذا الارتفاع مباشرة على الأسعار داخل المقاهي، وتزامنًا مع صعود الإيجارات والتكاليف الأخرى، ارتفع سعر فنجان القهوة في بعض المقاهي إلى أربعة أضعاف.
وقال أحد أصحاب المقاهي لصحيفة "دنياي اقتصاد" إن حتى المقاهي التي تقتصر على تقديم مشروبات القهوة البسيطة تواجه تراجعًا في الطلب، إذ لم يعد بإمكان الكثير من الناس تبرير إنفاق المال لارتياد المقاهي من أجل شرب القهوة.
ومن جهتها، أوضحت تارا، وهي مديرة شركة إعلانات تضم 10 موظفين، أن القهوة أصبحت غالية الثمن لدرجة بات معها شراؤها لمقر العمل أمرًا صعبًا.
وقالت: "للمرة الأولى منذ 20 عامًا، اضطررت إلى وقف شراء القهوة لمطبخ الشركة، والتي كانت توضع دائمًا إلى جانب الشاي للموظفين". وأضافت تارا: "المسألة لا تقتصر على سعر القهوة فقط؛ فمنذ حرب الصيف الماضي (التي استمرت 12 يومًا)، توقفت الأعمال والأنشطة عمليًا، بل إن الزبائن ألغوا المشاريع غير المكتملة، والجميع يدرك أن الشركة تلفظ أنفاسها الأخيرة". وختمت بالقول: "إذا استمر هذا الوضع، فلن يكون أمامنا خيار سوى الإغلاق".
تُبدي الصين قلقًا متزايدًا بشأن التكاليف الاقتصادية والاستراتيجية للمواجهة بين إيران والولايات المتحدة، حتى وهي تواصل حماية طهران دبلوماسيًا في الأمم المتحدة.
وصرح الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، خلال زيارته الأخيرة لبكين بأن نظيره الصيني، شي جين بينغ، أكد أهمية إبقاء مضيق هرمز مفتوحًا. كما دعت وزارة الخارجية الصينية مرارًا إلى إعادة فتح مضيق هرمز "في أقرب وقت ممكن"، وحثت على "وقف شامل ودائم لإطلاق النار" بين إيران والولايات المتحدة.
وقبل إغلاق مضيق هرمز، كان ما يقارب 45 في المائة من واردات النفط الصينية يمر عبر الممر المائي الاستراتيجي. ومع قفز العقود الآجلة لخام برنت إلى 117 دولارًا للبرميل، وتداول شحنات النفط الفعلي بأسعار وصلت إلى 150 دولارًا، استجابت الصين بخفض وارداتها النفطية بنسبة 20 في المائة الشهر الماضي، ورفعت أسعار البنزين والديزل محليًا في 9 مايو (أيار) الجاري.
وذكرت وكالة "رويترز" أن أسعار المنتجين في الصين ارتفعت إلى أعلى مستوى لها منذ 45 شهرًا في أبريل (نيسان) الماضي، في حين تسارع التضخم الاستهلاكي أيضًا. لكن الأضرار التي لحقت بالاقتصاد الصيني تتجاوز بكثير إمدادات الطاقة. وعلى الرغم من أن بكين لم تنشر بعد بيانات الجمارك للشهر المنتهي، فإن أرقام مارس (آذار) الماضي تشير بالفعل إلى انهيار حاد في الصادرات الصينية إلى المنطقة.
ووفقًا لإحصاءات الجمارك الصينية، فقد انخفضت الصادرات إلى الدول الخليجية إلى 5.7 مليار دولار فقط خلال شهر مارس- وهو الشهر الأول من الحصار الإيراني لمضيق هرمز- تراجعًا من 13.2 مليار دولار في الشهر السابق. وبعبارة أخرى، تراجعت الصادرات الصينية إلى المنطقة الخليجية بنسبة 57 في المائة بغضون شهر واحد.
وتمثّل هذه الأرقام جزءًا فقط من التداعيات الاقتصادية التي تواجهها الصين؛ حيث نفذت الشركات الصينية أو استثمرت في مشاريع تبلغ قيمتها نحو 39.4 مليار دولار في جميع أنحاء الشرق الأوسط العام الماضي. ولكن مع انزلاق المنطقة بشكل أعمق في الصراع، وشن إيران هجمات واسعة النطاق ضد جيرانها العرب، فإن العديد من استثمارات بكين الإقليمية تواجه حالة متزايدة من عدم اليقين.
ولا ينبغي الاستهانة بتوقعات تلك الدول بأن تمارس الصين ضغوطًا على طهران؛ فقد صدّرت الصين ما قيمته نحو 340 مليار دولار من السلع إلى جيران إيران العرب، وهو ما يعادل تقريبًا الحجم الإجمالي للاقتصاد الإيراني. ولا يمكن لبكين ببساطة أن تتجاهل مخاوف شركائها الإقليميين الأثرياء.
وقد يكون أحد الروافد المحتملة المتاحة للصين هو تقليص مشترياتها من الخام الإيراني. وتُظهر بيانات مؤسسة "كبلر"، المتخصصة في تحليلات بيانات التجارة والشحن البحري، أنه على الرغم من الطلب القوي، فقد خفّضت الصين وارداتها من النفط الإيراني بنحو الثلث في أبريل الماضي مقارنة بمارس، الذي سبقه، لتقلص مشترياتها إلى 1.16 مليون برميل يوميًا. ومع ذلك، تظل الصين أكبر شريك تجاري غير نفطي لإيران.
ورغم كل ذلك، واصلت بكين دعم طهران دبلوماسيًا؛ حيث عارضت الصين وروسيا قرارات الأمم المتحدة الأخيرة المدعومة من الولايات المتحدة بشأن مضيق هرمز، بحجة أن التدابير كانت أحادية الجانب وتخاطر بتغذية المزيد من التصعيد. وقال مبعوث الصين لدى الأمم المتحدة، فو غونغ، إن القرار المقترح "ليس مفيدًا"، وجادل بأن توقيته ومضمونه كانا خاطئين.
ومع ذلك، لا تزال إيران تمثل ورقة استراتيجية مهمة لبكين في منافستها الأوسع مع الغرب. ورغم التكاليف الاقتصادية المتزايدة، فمن غير المرجح أن تدعم الصين أي نتيجة من شأنها أن تترك طهران مهزومة استراتيجيًا أمام واشنطن.
من المقرر أن يصل دونالد ترامب، يوم الأربعاء 13 مايو (أيار) إلى بكين، في أول زيارة لرئيس أميركي إلى الصين منذ ما يقرب من عقد. وسيكون نظيره الصيني، شي جين بينغ، في استقباله. وتأتي هذه الزيارة في ظل "الحرب مع إيران"، وأزمة مضيق هرمز، وحرب الرسوم الجمركية، والتوتر بشأن تايوان.
ومنذ سنوات يركّز ترامب بشكل خاص على الصين؛ فهو، منذ أوائل العقد الماضي على الأقل، كان يرى أن بكين "تستغل" الولايات المتحدة عبر التجارة، وقد أطلق خلال ولايته الأولى حربًا تجارية واسعة فرض خلالها رسومًا جمركية على مئات مليارات الدولارات من الواردات الصينية، ودفع مؤسسات الحكومة الأميركية إلى التعامل مع الصين باعتبارها "منافسًا استراتيجيًا".
وترافقت تلك المرحلة مع تصعيد متكرر للرسوم الجمركية وتشكيل إطار أوسع من "المنافسة" في المجالات العسكرية والتكنولوجية والاقتصادية.
وفي ولايته الثانية، تذبذبت العلاقات بين البلدين بين المواجهة والتعاون التكتيكي. وأعاد ترامب فرض الضغوط الجمركية، ورفعها في مرحلة ما إلى 140 في المائة. وهي خطوة قوبلت بردّ صيني مماثل.
وعندما لم تؤدِّ هذه السياسة إلى الحصول على تنازلات كبيرة من بكين، غيّر ترامب خطابه، وأكد شراكة "مجموعة الدولتين (G2)"، وأشاد شخصيًا بالرئيس الصيني، شي جين بينغ، ووافق خلال قمة أكتوبر (تشرين الأول) 2025 في بوسان على هدنة لمدة عام في الحرب التجارية.
وفي هذه المرحلة، خفّف من أهمية قضايا حقوق الإنسان في شينغ يانغ وهونغ كونغ والتبت، كما خفف لهجته بشأن تايوان رغم استمرار بيع الأسلحة لها، لتجنب استفزاز بكين بشكل مفرط.
سفر رؤساء الولايات المتحدة إلى الصين
أصبحت زيارات الرؤساء الأميركيين إلى الصين منذ السبعينيات أداة دبلوماسية مهمة.
وكانت زيارة الرئيس الأميركي الأسبق، ريتشارد نيكسون، عام 1972 نموذجًا كلاسيكيًا، وأسهمت في إعادة العلاقات بعد عقود من العداء خلال الحرب الباردة، وأدت إلى إصدار "إعلان شنغهاي".
كما زار جيرالد فورد الصين عام 1975 وأكد التزامات واشنطن ضمن ذلك الاتفاق.
وبعد إقامة العلاقات الدبلوماسية الكاملة عام 1979، استخدم الرؤساء الأميركيون اللاحقون الزيارات لإدارة التعاون والأزمات.
وزار رونالد ريغان الصين عام 1984 وأكد تطوير علاقات "بناءة" رغم انتقاده الشيوعية.
أما جورج بوش الأب فزار الصين عام 1989 وأكد سياسة "الصين الواحدة".
وفي 1998 ركّز بيل كلينتون خلال زيارته على الحوار والتجارة وحقوق الإنسان.
كما زار جورج بوش الابن وباراك أوباما الصين عدة مرات، غالبًا في سياق ملفات اقتصادية وأمنية وأحداث كبرى، مثل أولمبياد بكين 2008 وقمة أبيك 2014.
كما زار ترامب نفسه الصين عام 2017 عندما كانت العلاقات أكثر ودّية نسبيًا، مع تركيز على المفاوضات التجارية والاستقبال الرسمي الواسع من جانب شي جين بينغ.
لماذا يزور ترامب الصين؟
تُعد الزيارة المقررة أول زيارة لرئيس أميركي إلى الصين منذ ما يقارب عقدًا من الزمن، وتأتي بعد فترة قصيرة من الهدنة الجمركية لعام 2025.
وفي مجال الاقتصاد والتجارة، يسعى ترامب إلى زيادة مشتريات الصين من السلع الأميركية، مثل فول الصويا، وربما منتجات ذات قيمة مضافة عالية مثل محركات الطائرات، إضافة إلى ضمان وصول أوضح للشركات الأميركية، خصوصًا في قطاعي التمويل والخدمات المرتبطة بالتكنولوجيا، إلى السوق الصينية.
أما في ملف التكنولوجيا والعقوبات، فما زال الطرفان في خلاف حول التحكم بأشباه الموصلات وشرائح الذكاء الاصطناعي وقيود التصدير. وقد سمحت واشنطن مؤخرًا ببيع بعض شرائح الذكاء الاصطناعي من شركة "إنفيديا" للصين، بينما هددت بكين باتخاذ إجراءات مضادة رداً على القوانين الأميركية التي تصف الصين بأنها تهديد أمني.
كما تبرز في الخلفية قضيتان جيوسياسيتان مهمتان:
أولًا، "الحرب في إيران" التي أدت إلى اضطراب أسواق الطاقة والسياسة العالمية، وأعطت الصين نفوذًا ومصالح اقتصادية في تعاملاتها مع طهران تختلف عن مصالح واشنطن.
ثانيًا، قضية تايوان التي تُعد من أبرز مصادر القلق لبكين، حيث تطالب الصين بموقف أميركي أوضح ضد استقلال تايوان وبقدر أكبر من التنبؤ في مبيعات الأسلحة الأميركية. في المقابل، كان ترامب قد أجّل سابقًا صفقة تسليح كبيرة لتايوان.
كما أن ميل ترامب إلى الإشادة بالرئيس الصيني وتخفيف الانتقادات العلنية بشأن حقوق الإنسان يهدف إلى تهدئة أجواء الزيارة، لكنه في الوقت نفسه يقلل من أدوات الضغط الأميركية المرتبطة بملف حقوق الإنسان.
نتائج محتملة للزيارة
على المدى القصير، من المرجح أن تؤدي هذه الزيارة إلى "إنجازات" ملموسة لكنها محدودة من حيث التغيير البنيوي.
ويتوقع محللون الإعلان عن اتفاقات تتعلق بمشتريات جديدة من جانب الصين، مثل المنتجات الزراعية أو بعض السلع الصناعية الخاصة، إضافة إلى إحراز تقدم رمزي في مسألة الوصول إلى الأسواق، وإصدار بيانات مشتركة حول التعاون.
وقد تسهم مثل هذه الاتفاقات في تهدئة الأسواق وتعزيز التوقف لمدة عام عن تصعيد الرسوم الجمركية، وهو ما من شأنه تقليل حالة عدم الاستقرار الاقتصادي الفوري بين البلدين.
على المدى الطويل، يعتمد تأثير هذه الزيارة على ما يتم التوصل إليه خلف الأبواب المغلقة من اتفاقات. فإذا قدّم دونالد ترامب تنازلات في مقابل مكاسب اقتصادية قصيرة الأمد، في قضايا مثل صياغة السياسة الأميركية تجاه تايوان، أو توقيت بيع الأسلحة، أو قيود التكنولوجيا المتقدمة، فقد تعزز بكين موقعها الاستراتيجي، بينما قد تحصل واشنطن فقط على تخفيف مؤقت للضغوط التجارية.
ومن جهة أخرى، إذا التزم الطرفان بنوع من "المنافسة المُدارة"، أي قبول التنافس في مجالات التكنولوجيا والنفوذ الإقليمي مع تجنب تصعيد غير مضبوط للتوتر، فقد تسهم هذه الزيارة في تثبيت العلاقات بين البلدين وتقليل خطر الأزمات في شرق آسيا، على الأقل على المدى القصير.
وفي كل الأحوال، تُعد زيارة ترامب إلى الصين استمرارًا للنمط الذي اتبعه الرؤساء الأميركيون السابقون، والمتمثل في استخدام الزيارات المكلفة والرمزية لتحقيق توازن بين المنافسة والتعاون في علاقة يُنظر إليها على أنها أهم علاقة ثنائية في العالم.