وفي 19 مايو (أيار) 2024، اختفت مروحية كانت تقلّ "رئيسي" وسط جبال محافظة أذربيجان الشرقية في إيران. وخلص التحقيق الإيراني النهائي إلى أن السبب كان سوء الأحوال الجوية، والضباب الكثيف، والظروف الجوية، وليس عملية تخريب.
السقوط كاستعارة
لكن الصورة كانت أقوى من أن يتم تجاهلها: موكب قيادة يتحرك وسط ضعف الرؤية، يفقد قدرته على التبيّن، ثم يحاول أن يُظهر دولة لا تزال تسيطر على الوضع.
وهذا هو التفسير الأفضل لوفاة "رئيسي".. كاستعارة، لا كمؤامرة.
لم يُغيّر هذا الحادث إيران؛ لأن "رئيسي" كان يحكمها فعلاً. لم يكن كذلك. فمركز السلطة الحقيقي كان أعلى منه، لدى المرشد الراحل، علي خامنئي، والحرس الثوري، وأجهزة الدولة الأمنية، والشبكات الإقليمية التي بنتها طهران على مدى عقود.
كان "رئيسي" مهمًا لأنه كان يُجسّد شكل "الاستمرارية" المفترضة. كان مواليًا، متشددًا، صارمًا، ويمكن التنبؤ به؛ شخصية طُرحت سابقًا كأحد المرشحين المحتملين لخلافة خامنئي.
لم يكن "رئيسي" مستقبل النظام الإيراني، بل كان "تجربة تمهيدية" لمستقبل لم يصل أبدًا.
وفي مايو 2024، بدا أن النظام لا يزال يمتلك خطة خلافة، ودرعًا إقليمية، وصبرًا استراتيجيًا لانتظار خصومه. لكن بعد عامين، تم اختبار أو كسر تقريبًا كل الركائز التي جعلت طهران تبدو عصيّة على الاختراق.
لا ملاذ آمنًا
كان العدّ التنازلي قد بدأ بالفعل في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023.
فقد فتح هجوم حماس على إسرائيل حربًا دفعت الشبكة الأوسع لإيران إلى الحركة: حزب الله في لبنان، الميليشيات في العراق وسوريا، والحوثيون في اليمن. لسنوات، كانت هذه هي عقيدة طهران القائمة على "العمق الاستراتيجي".
لكن بعد 7 أكتوبر، تحوّل هذا العمق إلى "خريطة أهداف".
وبحلول أبريل (نيسان) 2024، انتقلت إيران وإسرائيل من حرب الظل إلى مواجهة مباشرة. ثم بعد شهر واحد، سقطت مروحية رئيسي في الضباب.
وردّت طهران بطقوس الحداد المعتادة: توابيت، رايات سوداء، صور، رجال دين وقادة عسكريون. كانت الرسالة هي الاستمرارية.
ولكن بعد رئيسي، بدأت الجنازات تروي قصة مختلفة. واحدة تلو الأخرى، لم تعد تشير إلى الاستمرارية، بل إلى الانكشاف: نظام يفقد الأشخاص والأماكن والشبكات التي كانت تمنحه شعورًا بالحماية.
وأجبر موت "رئيسي" النظام على إجراء انتخابات مبكرة. فاز مسعود بزشكيان، ذو الطابع الإصلاحي، بالرئاسة بعد جولة أولى اتسمت بأدنى نسبة مشاركة في التاريخ. حصل النظام على وجه أكثر ليونة، لكنه لم يحصل على مركز قوة جديد.
ثم جاءت أول إهانة كبرى في مرحلة ما بعد رئيسي.
جاء القائد السياسي في حماس، إسماعيل هنية، إلى طهران لحضور تنصيب بزشكيان. وبعد ساعات، قُتل في العاصمة الإيرانية.
لم يكن هذا مجرد قتل لزعيم في حماس، بل رسالة بأن حتى عاصمة "الراعي" لم تعد ملاذًا آمنًا.
وهذا أصبح عنوان المرحلة التالية.
وفي سبتمبر (أيلول) 2024، انفجرت أجهزة الاتصال (البيجر) وأجهزة الاتصال اللاسلكي التابعة لحزب الله في لبنان وسوريا، لتتحوّل أدوات الاتصال الخاصة بالجماعة إلى سلاح ضدها. وبعد أيام، قُتل أمين عام حزب الله اللبناني، حسن نصر الله، في بيروت.
قد تم اختراق حركة بُنيت على السرية والقيادة تحت الأرض من الداخل، وضربها من الأعلى.
ثم قُتل قائد حماس في غزة، يحيى السنوار. وبقيت حماس، وبقي حزب الله، وبقيت الشعارات. لكن "المحور" كان ينزف قادةً وأراضي ومسارات وثقة.
وجاء الكسر الأعمق في سوريا.
لم يكن سقوط بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024 مجرد فقدان حليف آخر لنظام طهران. بل أضر بجغرافيا النفوذ الإيراني: طريق الوصول إلى حزب الله، والواجهة المتوسطية، وادعاء حقبة قاسم سليماني بأن الدول الضعيفة يمكن تحويلها إلى عمق إيراني.
وبحلول يونيو (حزيران) 2025، انتقلت الحرب إلى داخل إيران نفسها.
فقد شنت إسرائيل ضربات على مواقع نووية وعسكرية خلال "حرب الـ 12 يومًا". ثم ضربت الولايات المتحدة أكثر أجزاء البرنامج النووي تحصينًا.
لسنوات، كان الغموض النووي درع طهران. في عام 2025، أصبح ساحة معركة.
ثم التقى الضغط الخارجي بالجبهة الداخلية.
كانت الاحتجاجات التي اندلعت في أواخر 2025 وبداية 2026 مدفوعة بانهيار اقتصادي، وقمع، ومطلب قديم بتغيير النظام السياسي. وبحلول 8 و9 يناير (كانون الثاني) الماضي، ردّت الدولة بعنف واسع وقطع للإنترنت.
إيران تتجاوز عتبة سياسية
كان بإمكان إيران أن تطلق النار وتعتقل وتُرهب، لكنها لم تعد قادرة على إقناع عدد كافٍ من مواطنيها بأنها تمتلك مستقبلاً.
حتى الصدمات خارج الشرق الأوسط بدأت تبدو جزءًا من المناخ نفسه. فاعتقال الولايات المتحدة للرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو، في يناير 2026 لم يعد يُقرأ كقصة إيرانية بقدر ما أصبح مؤشرًا على "مناخ عام": حاكم آخر معادٍ لأميركا، كان محميًا سابقًا بالسيادة والبعد الجغرافي، أصبح مكشوفًا فجأة.
ثم، في 28 فبراير (شباط) 2026، وصلت الحرب إلى قلب مؤسسة الحكم في النظام الإيراني: القيادة العليا.
قُتل علي خامنئي في ضربات أميركية- إسرائيلية. بالنسبة لدولة تقوم على ولاية الفقيه، لم يكن هذا مجرد موت حاكم، بل كسرًا لهالة السلطة.
وتم تعيين مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى بعد أيام. كان الهدف من التعيين إظهار الاستمرارية، لكنه بدلًا من ذلك جعل النظام الإيراني يبدو أصغر وأكثر انغلاقًا وأقرب إلى الوراثة.
والثورة التي اندلعت ضد "الملكية"، أصبحت تنقل أعلى منصب فيها من الأب إلى الابن في زمن الحرب.
الجنازة التي لم تحدث
ثم جاءت أغرب جنازة على الإطلاق: الجنازة التي لم تستقر.
أجلت إيران جنازة خامنئي الرسمية. وبعد أشهر، ظل مكان دفنه غير محسوم. بالنسبة لدولة ثورية شيعية عرفت دائمًا كيف تحوّل الموت إلى قوة، كان هذا التأخير مذهلاً.
لقد فقدت "جمهورية الجنازات" السيطرة على أهم طقوسها.
كان النموذج القديم يقوم على أربع طبقات: في الداخل، كان الخوف يضبط المجتمع. في السياسة، كانت الانتخابات تمنح الدولة قناعًا مدنيًا. في الإقليم، كان الوكلاء يبعدون الأعداء عن حدود إيران. وعلى المستوى الاستراتيجي، كانت الصواريخ والغموض النووي ومضيق هرمز تجعل كلفة الهجوم غير محسوبة.
ومنذ سقوط رئيسي، تضررت كل هذه الطبقات.
والخوف أنتج تمردًا. الانتخابات كشفت عن الفراغ أكثر مما كشفت الشرعية. العمق الإقليمي تعرض للاختراق. سوريا خرجت من المعادلة. حزب الله وحماس تعرضا لضربات قاسية. مكتب المرشد الأعلى فقد هالة "عدم المساس".
يبقى مضيق هرمز أقوى أوراق إيران، لكنه يكشف أيضًا الفخ. فالمضيق يمنح طهران نفوذًا على النفط والشحن والأسواق العالمية، لكنه يبقيها أيضًا في قلب أزمة لا تستطيع إنهاءها بسهولة.
وهذه ليست قصة نظام سقط بالفعل. فالنظام الإيراني ما زال يمتلك السجون والصواريخ والقادة وذاكرة طويلة للبقاء.
لكنها أيضًا ليست القصة التي تريدها طهران.
وقبل عامين، كانت وفاة رئيسي تُغلف بلغة "الشهادة والاستمرارية". وقالت الدولة إنه لم يُفقد أي شيء جوهري.
لكن ما تلا ذلك كشف عن مدى ضيق هامش الخطأ الذي بقي أمام النظام الإيراني.
لم يبدأ الحادث سلسلة الأحداث، فـ7 أكتوبر كان قد بدأ بالفعل عدّاد الزمن. لكن وفاة رئيسي منحت السنوات التالية صورتها: ضباب، ضعف رؤية، قافلة تفقد الاتصال، ودولة تصرّ أن الطريق أمامها واضح.
وبعد عامين، لا تزال إيران تسقط داخل ذلك الضباب.
ولم يعد السؤال ما إذا كانت النظام الإيراني قادرًا على النجاة من أزمة أخرى؛ فقد نجا من أزمات كثيرة.
بل السؤال هو: هل يستطيع النظام النجاة من فقدان العناصر التي جعلت البقاء ممكنًا أصلاً: المسافة، والخوف، والخلافة، والملاذ، والاعتقاد بأن الزمن كان في صفه؟