وقالت المجلة في تقريرها، المنشور الاثنين 24 أغسطس، إن قضية زراعتي شكّلت نقطة انطلاق لفحص أبعاد وأساليب حملة النظام الإيراني لقتل واغتيال الصحفيين والنشطاء السياسيين المعارضين والمنتقدين له خارج إيران. ومن خلال مقارنة هذه القضية بحالات مشابهة، رصد التقرير أنماطًا تشير إلى أنه كلما ازدادت إخفاقات النظام ونقاط ضعفه داخليًا وإقليميًا، زاد لجوؤه إلى عمليات خارجية منخفضة التكلفة.
وبحسب التقرير، وثّق الباحث البارز في "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى"، ماثيو ليفيت، أكثر من 200 مؤامرة ومخطط اغتيال مدعوم من النظام الإيراني خارج البلاد خلال السنوات الخمس الماضية، وهو رقم يقارب ضعف إجمالي الحالات المسجلة بين عامي 1979 و2021.
من لندن إلى ماريلاند.. مجرمون مأجورون في عدة دول
استعرضت "نيويوركر" قضية زراعتي بوصفها إحدى النماذج التي تكشف أسلوب تنفيذ العمليات الخارجية للنظام الإيراني. فبعد نحو عامين من تلقيه رسائل تهديد ومراقبة منزله وأسرته، تعرض بوريا زراعتي في 29 مارس 2024 لهجوم أثناء خروجه من منزله في منطقة ويمبلدون بلندن، حيث أمسك به مهاجمان رومانيان وطعناه ثلاث مرات في ساقه، قبل أن يفرّا من الموقع بسيارة كان يقودها شريك لهما ويغادرا بريطانيا.
وفي 3 يوليو من العام الجاري، حكمت المحكمة الجنائية المركزية في لندن على المتهمين الرومانيين جورج ستانا ونانديتو باديا بالسجن لمدة 12 و8 سنوات على التوالي. وقال القاضي خلال النطق بالحكم إن الاعتداء على زراعتي لم يكن جريمة عادية، بل عملية نُفذت بالنيابة عن قوة أجنبية.
وبحسب "نيويوركر"، فإن نمط الاستعانة بمجرمين مأجورين لم يقتصر على بريطانيا. ففي قضية أخرى تناولها التقرير، اتُّهم ناجي شريفي زيندشتي، وهو مجرم ذو سوابق يقيم في إيران، بتنسيق مخطط لقتل زوجين إيرانيين في ولاية ماريلاند الأميركية.
وفي عام 2021، خططت مجموعة من المسلحين، من بينهم عضو في نادي "هيلز أنجلز" للدراجات النارية، لقتل الزوجين عبر تطبيق مراسلة مشفر، لكن المخطط كُشف وأُحبط قبل تنفيذه.
كما ظهر استخدام شبكات إجرامية في محاولة قتل الصحفية والناشطة السياسية المعارضة للنظام الإيراني، مسيح علي نجاد. ففي عام 2022، توجه رجل من أذربيجان مسلح ببندقية كلاشنيكوف إلى منزلها في بروكلين بأوامر لقتلها. وألقت الشرطة القبض عليه، وقادت التحقيقات إلى عضوين في شبكة مافيا روسية كانا قد جنّداه بالنيابة عن النظام الإيراني.
ورُصدت قضايا مشابهة في أوروبا أيضًا. فقد أدانت محكمة ألمانية رجلًا لمحاولته إحراق كنيس في مدينة بوخوم عام 2022، بعدما أرسله عضو سابق في "هيلز أنجلز" كان يقيم في إيران لتنفيذ العملية. وبعد عام، صوّر رجل مولود في الشيشان المقر الرئيسي لتحرير "إيران إنترناشيونال" في لندن، وأُدين بالتجسس في إطار مخطط إرهابي ضد الشبكة.
وتعلقت قضية أخرى بسيامك تدين طهماسبی، وهو معارض إيراني مقيم في هولندا. ففي يونيو 2024، دخل رجلان مسلحان ببندقية ومطرقة كبيرة إلى فناء منزله، إلا أنه ضغط زر إنذار لاستدعاء الشرطة، التي ألقت القبض على المهاجمين بعد دقائق.
وقالت الاستخبارات الهولندية إن النظام الإيراني ربما استأجر هؤلاء الأشخاص لقتل طهماسبی. ووفقًا للشرطة، كان أحد المشتبه بهم قد أطلق النار قبل أشهر على سياسي سابق في أحد شوارع مدريد، وهو من أبرز منتقدي النظام.
وكان القاسم المشترك بين هذه القضايا هو استخدام أشخاص لا تربطهم صلات تنظيمية واضحة بالنظام الإيراني، بل إن بعضهم لم يكن يعرف هوية الهدف أو الدافع الحقيقي للعملية. ويؤدي استخدام منفذين من هذا النوع إلى زيادة المسافة بين الآمرين والمنفذين، ويصعّب تتبع مسار إصدار الأوامر، كما يمنح النظام مجالًا لإنكار تورطها.
لماذا لجأ النظام الإيراني إلى مجرمين محليين؟
تُظهر القضايا التي استعرضها تقرير "نيويوركر" شكلًا جديدًا لحملة تعود جذورها إلى السنوات الأولى لقيام النظام الإيراني، إلا أن أساليب تنفيذها تغيرت تدريجيًا بمرور الوقت.
وأشار التقرير إلى قضية "ميكونوس" بوصفها نموذجًا لأسلوب أقدم استخدمه النظام الإيراني لقمع معارضيه خارج إيران.
ففي عام 1992، أطلق عملاء للنظام الإيراني النار على مجموعة من قادة المعارضة الكردية داخل مطعم في برلين. وقال الادعاء الألماني إن مسؤولين كبارًا في النظام، من بينهم مرشد النظام، أرسلوا منفذي الهجوم. وبعد القضية، صدر أمر اعتقال دولي بحق علي فلاحيان، وزير الاستخبارات آنذاك، وأدى المسار القضائي في ألمانيا إلى فترة من تراجع العمليات الخارجية.
وكتبت "نيويوركر" أن عدد المؤامرات الخارجية للنظام الإيراني عاد إلى الارتفاع بعد الاحتجاجات الواسعة عام 2009.
وقال الخبير في الشؤون الإيرانية لدى مجلس العلاقات الخارجية، راي تقيه، في معرض تفسيره للصلة بين الاحتجاجات الداخلية وتصاعد قمع المعارضين في الخارج، إن الأنظمة السلطوية "تخشى شعوبها"، وإن هذا الخوف يشتد خلال فترات الضعف.
وأضافت المجلة أن إخفاقات النظام الإيراني داخليًا وإقليميًا جعلت العمليات الخارجية منخفضة التكلفة أكثر جاذبية بالنسبة إلى النظام.
وتزامن ازدياد هذه العمليات مع تغير في أسلوب تنفيذها. فبدلًا من تكرار نموذج عملية برلين، التي كان من الممكن فيها تتبع صلات المنفذين بمسؤولين كبار في النظام، لجأ النظام الإيراني بدرجة أكبر إلى شبكات إجرامية ومجرمين محليين.
ويخلق هذا النوع من الاستعانة بجهات خارجية عدة طبقات بين الآمرين والمنفذين، ما يجعل إثبات دور طهران أكثر صعوبة ويمنح النظام الإيراني إمكانية إنكار تورطه.
ويستطيع أفراد العصابات والمجرمون المحليون توفير وثائق مزورة، وعبور الحدود، وتأمين منازل آمنة، واستئجار سيارات، وتحويل الأموال، ثم الاختفاء.
وقال المدير التنفيذي لمركز "صوفان"، كولين كلارك، لـ"نيويوركر"، إن حتى العمليات الفاشلة يمكن أن تبث الخوف بين الإيرانيين في الخارج، مضيفًا: "الإرهاب لا يتعلق دائمًا بعدد القتلى؛ ففي بعض الأحيان يتعلق الأمر بمن يراقب".
وتمثل الاستعانة بالعصابات الإجرامية لتجنيد مراهقين أحدث نمط جرى رصده في محاولات النظام الإيراني لقمع معارضيه خارج إيران.
وبحسب "نيويوركر"، توصلت أجهزة استخبارات غربية في عام 2024 إلى أن عصابات إسكندنافية كانت تعهد إلى مراهقين محليين بتنفيذ أوامر النظام الإيراني. ويجري تجنيد كثير من هؤلاء عبر "تليغرام" و"سناب شات" مقابل وعود بالحصول على المال، من دون أن يعرفوا هوية الهدف أو الدافع الحقيقي للعملية.
ووصف مسؤول استخباراتي سويدي هذه الطريقة، في مقابلة مع "نيويوركر"، بأنها "وسيط لوسيط". وقال إن المراهقين يتطوعون بحثًا عن أموال سهلة من دون أن يعرفوا طبيعة العملية التي يشاركون فيها، وفي بعض الحالات يخفي المشرفون طبيعة المهمة الحقيقية عبر روايات مختلقة.
وغالبًا ما تُصمم هذه العمليات بحيث لا تكون دموية أو مثيرة للضجة بمستوى تفجير حافلة أو سفارة، بما قد يستدعي ردًا قويًا من الحكومات الغربية. ومع ذلك، تستنزف كل قضية موارد واسعة من الشرطة وأجهزة الاستخبارات، وقد تستغرق التحقيقات والإجراءات القضائية أشهرًا أو سنوات، فيما يغيّر العملاء الإيرانيون خلال هذه الفترة أساليبهم العملياتية.
صحافة في ظل التهديد
منذ عام 2022، رصد مسؤولو مكافحة التجسس في بريطانيا أكثر من 20 عملية مدعومة من النظام الإيراني ضد أشخاص مقيمين في البلاد، من بينهم صحفيون يعملون في وسائل إعلام ناطقة بالفارسية.
ووفقًا لـ"نيويوركر"، وثّق الفريق القانوني لـ"إيران إنترناشيونال" خلال العام الماضي زيادة "مقلقة وغير مسبوقة" في التهديدات الموجهة إلى مئات من أفراد أسر موظفي الشبكة داخل إيران. وهدد مسؤولون حكوميون بعض هؤلاء بالسجن أو القتل إذا لم يتوقف أقاربهم عن العمل مع "إيران إنترناشيونال".
وكتبت المجلة أن هذه الضغوط تجاوزت تهديد أفراد الأسرة، وغيّرت الحياة الشخصية والمهنية للصحفيين أيضًا. ولتقليل مخاطر الهجمات، يجري تغيير مواعيد تسجيل البرامج باستمرار، ونقل بعض العاملين إلى منازل آمنة أو دول أخرى، كما جرى تقليص التجمعات خارج ساعات العمل إلى أدنى حد.
وقالت إحدى مذيعات "إيران إنترناشيونال" لـ"نيويوركر" إن مخاطر لقاء أشخاص غير معروفين أصبحت مرتفعة إلى درجة جعلتها تتقبل أن العلاقات العاطفية "ليست مناسبة لهذه الحياة".
وقال رئيس التحرير التنفيذي لـ"إيران إنترناشيونال" في لندن، علي أصغر رمضان بور، إن اسم صحفي آخر أُضيف إلى قائمة اغتيال مزعومة أثناء زيارة صحفي المجلة. وقد تمتد الإجراءات الأمنية في مثل هذه الحالات إلى تنظيم جميع تفاصيل حياة الشخص المهدد.
وأضاف رمضان بور: "التهديد موجود دائمًا. وما دامت أضواؤنا مضاءة، فلن يتوقف هذا النظام عن المحاولة".
وفي جزء آخر من التقرير، تناولت "نيويوركر" الأسئلة والتكهنات المتعلقة بمصادر تمويل "إيران إنترناشيونال". وقالت الشبكة في رد مكتوب إن الادعاءات بشأن تمويلها أو توجيهها من جانب حكومات غير صحيحة، ووصفت هذه المزاعم بأنها جزء من حملة تضليل طويلة الأمد تهدف إلى تقويض مصداقيتها وزيادة المخاطر الأمنية التي يواجهها صحفيوها وموظفوها.