لقد تحوّل التعليم، الذي يجب أن يكون أساس المستقبل، إلى ساحة للأزمة والقمع وعدم المساواة.
يوم المعلم: عيد للوعي أم مأتم للتعليم؟
ابتعد النظام التعليمي في البلاد خلال العقود الماضية عن مسار تربية مواطنين واعين وأحرار، وأصبح أداة لإعادة إنتاج الأيديولوجيا الرسمية.
إن الحضور البنيوي لرجال الدين في المدارس، والمناهج الدراسية الموجّهة، وربط التعليم بالمؤسسات الأمنية، كلها تشير إلى أن الهدف لم يعد تربية إنسان مستقل، بل صناعة جيل مطيع ومتوافق مع السلطة.
وفي مثل هذا النظام، لا يكون التعليم محرّرًا، بل مُقيِّدًا.
المدرسة.. الانضباط والطاعة بدلاً من التفكير
لقد استُهدفت حرية التعبير بشكل مباشر من خلال القمع وتوسيع البيئة الأمنية داخل التعليم.
وخلال انتفاضة «المرأة، الحياة، الحرية» وما تلاها من احتجاجات، فقد عشرات المراهقين والطلاب حياتهم.
وخلال الاحتجاجات الشعبية الأخيرة فقط، وصل عدد الطلاب الذين قُتلوا إلى ما لا يقل عن 230 طالبًا.
وتكوّن هذا العنف في بيئة من الاعتقالات المتزايدة، وإصدار أحكام قاسية، وتوسيع نطاق الإعدامات، مما أدخل المجتمع في دائرة من الخوف والقمع، ولم تسلم المدارس من ذلك.
وردًا على هذا الوضع، ظهرت حملات مثل «المقاعد الفارغة» و«الفصول بلا معلم»، والتي تهدف إلى تسجيل الصوت المُسكَت للتعليم وإيصاله إلى العالم.
وقد قامت أمانة المجلس التنسيقي لنقابات المعلمين في إيران بتقديم هذه الوثائق إلى جهات دولية، وحصلت على دعم «التعليم الدولي» ومئات النقابات العالمية.
المقاعد الفارغة.. وثيقة حيّة لأزمة وطنية
وعلى نطاق أوسع، يبقى الأطفال والطلاب أول ضحايا العنف، سواء داخل البنى الداخلية أو في الحروب.
إن القمع في الشوارع والقتل في النزاعات العسكرية، بما في ذلك الهجمات المنسوبة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، إضافة إلى أحداث مثل مأساة مدرسة ميناب، كلها تُظهر أن «التعليم» و«الطفولة» هما الأكثر تضررًا في دوامة العنف.
وقد أطلق المجلس التنسيقي لنقابات المعلمين في إيران حملة «حقائب الظهر المهملة» تخليدًا لذكرى الطلاب ضحايا الحرب.
الفقر: العائق الأكبر أمام التعليم في إيران
عندما تكون الشوارع غير آمنة، لن تكون الفصول الدراسية آمنة أيضًا. وإلى جانب هذا القمع، دفعت السياسات الاقتصادية التعليم نحو حافة الانهيار.
وقد أدى خفض ميزانية التعليم مقابل الإنفاق غير الضروري إلى تدهور المدارس، ونقص التجهيزات، وانخفاض كبير في الجودة.
ويُشار إلى أن أكثر من أربعة ملايين طفل خارج التعليم، معظمهم في المناطق المحرومة، وتصل نسبة التسرب في مناطق مثل بلوشستان إلى سبعة أضعاف المتوسط العالمي.
وقد وصل الفقر إلى درجة لا تستطيع فيها العديد من العائلات توفير أبسط المستلزمات المدرسية.
توفير أبسط المستلزمات الدراسية.
أوضاع المعلمين
يعيش المعلمون، وهم العمود الفقري للتعليم، في ظروف صعبة للغاية.
ويبلغ متوسط راتب المعلم الشهري نحو 150 دولارًا، في حين أن خط الفقر يبلغ 300 دولار، ما يعني أن جميع المعلمين يعيشون تحت خط الفقر، وكثير منهم مضطرون للعمل في وظائف إضافية.
هذا الوضع يضر بكرامة المهنة ويؤثر بشدة على جودة التعليم.
وفي الوقت نفسه، تُقابل أي محاولة للتنظيم النقابي المستقل بالقمع. وقد شملت الاعتقالات ناشطين نقابيين مثل رضا أماني فر وأصغر حاجب، واستمرار سجن شخصيات مثل هاشم خواستار، مسعود فريهيخته، كيومرث واعظي، محمد جواد لعل محمدي، ومحمد حسين سبهري، وغيرها.
وبعد انتفاضة "مهسا أميني"، تعرض ما لا يقل عن 400 معلم للاعتقال أو النفي أو الفصل من العمل.
التعليم الرقمي والأزمة التقنية
ضعف البنية التحتية الرقمية والانقطاع المتكرر للإنترنت، خصوصًا في محافظات مثل بلوشستان وخراسان الشمالية وهرمزغان، جعل التعليم عن بعد تجربة غير فعالة.
كما أن منصة «شاد» لم تستطع سد هذه الفجوة.
وهذا الوضع، إلى جانب الأضرار التي لحقت بالعمالة الرقمية، أضعف بنية التعليم بشكل عام.
جيل جديد يرفض الطاعة
في ظل هذه الظروف، يتشكل جيل جديد يرفض الرواية الرسمية: جيل «زد» الذي يتميز بالفضول والجرأة والوعي. وهو جيل لم يعد يريد الطاعة، بل يسعى إلى المعنى والعدالة والحرية.
وفي الختام يجب أن يتحول يوم المعلم إلى دعوة للتضامن بين المعلمين والطلاب والأسر وجميع القوى الاجتماعية، وكذلك إلى تضامن عالمي دفاعًا عن حق التعليم والكرامة الإنسانية.
إن التعليم الحر هو الشرط الأساسي لمجتمع حر، والمستقبل يبدأ من فصول دراسية خالية من الخوف.
والخروج من الوضع الحالي لا يمكن أن يتحقق إلا بإعادة التعليم كحق عام ومساحة للتفكير الحر.