ولطالما ارتبط "النوروز" لدى الإيرانيين بفكرة التجدد و«انتصار الخير على الشر»، لكن تاريخ إيران المضطرب ألقى بظلاله مرارًا على هذا العيد، محولاً إياه إلى مناسبة تختلط فيها الاحتفالات بالحزن والخسارة والجراح المفتوحة. وهذا العام يجمع هذه العناصر الثلاثة معًا.
منذ عام 2022، تعيش البلاد حالة حداد وطني مستمر، إذ ترك قتلى حركة «المرأة، الحياة، الحرية»- المعروفون منهم والمجهولون- أثرًا عميقًا في الطقوس الاجتماعية. وعلى موائد "النوروز"، تجلس أمهات بقلوب مثقلة وعيون دامعة، أو يقفن عند قبور أبنائهن.
وليس هذا المشهد جديدًا على الإيرانيين. ففي زمن الحرب مع العراق، كان العام الجديد يحل على وقع الصواريخ، بينما يُرسل الشباب إلى الجبهات. استمرت مظاهر الاحتفال، لكنها كانت ممزوجة بالخوف والفقد، في سياق وصفه كثيرون لاحقًا بأنه نتاج «الجهل وعدم المسؤولية» التي دفعت جيلاً كاملاً إلى الحرب.
ويُعد فقدان الشباب من أعمق مصادر الحزن في الثقافة الإيرانية، ويتجلى ذلك في قصة سياوش، الأمير البريء الذي قُتل ظلمًا، والتي وردت في "الشاهنامه" للشاعر الفردوسي. فقد جاءت وفاته عشية النوروز، ليصبح العيد- رغم رمزيته للتجدد- مظللاً بالحرب والتضحية. ومن أشهر ما قيل في رثائه: «إذا كان الموت عدلاً، فما هو الظلم؟».
ومع مرور الزمن، تحوّل الحداد إلى طقس متجذر؛ حيث نشأت مراسم «سياوشان» التي استمرت قرونًا، معبرة عن الإيمان بأن العدالة، مهما تأخرت، لا بد أن تتحقق.
واليوم، يتكرر مشهد «السياوشات» في صور الضحايا المنتشرة على الجدران وفي البيوت، وفي أيدي المحتجين، كأنها راية "كاوه الحداد".
ومن التقاليد المرتبطة بـ "النوروز" أيضًا «نوئيد»، وهو أول عيد بعد الفقد، حيث تُزار عائلات المفجوعين. وتروي إحدى القصص المؤثرة كيف جلست أم فقدت ابنها بصمت، وقد شاب شعرها من الحزن، قبل أن تقول: «ألم يكفِ قتله؟ ماذا فعلتم برأس ابني؟».. سؤال لا يزال صداه قائمًا.
لطالما ارتبط "النوروز" بذكرى الموتى؛ ففي المعتقدات القديمة، كانت أيام «فروردكان» تسبق العام الجديد، حيث يُعتقد أن أرواح الراحلين تعود، فتُنظف البيوت وتُعد الموائد لهم وللأحياء معًا، في تجديد للصلة بين العالمين.
وفي السنوات الأخيرة، دُفن كثير من الضحايا في قبور مجهولة، أو في مقابر تُهدم شواهدها مرارًا، لكن عائلاتهم تعيد بناءها، وتعود الزهور لتُزرع رغم اقتلاعها.
ورغم كل ذلك، يستمر "النوروز". فلم تستطع الحرب ولا القمع- ولا حتى معاداة بعضهم للتقاليد الإيرانية القديمة- أن تمحوه. فبعد إشعال نيران «جهارشنبه سوري» (مهرجان الأربعاء الأحمر التراثي بمناسبة انتهاء العام الإيراني) وتكريم الموتى، يأتي العام الجديد من جديد.
وكما يقول بيت يُتلى كثيرًا على القبور: «لو كنا نخشى السيف، لما رقصنا في مجلس العشاق».
يحتفل الإيرانيون بـ "النوروز" كما اعتادوا دائمًا، بأمل أن يحمل العام الجديد حياة أكثر عدلاً، تُصان فيها الكرامة، وتتحقق فيها المساواة، وتكون فيها الدولة في خدمة الشعب، لا فوقه.