كشف أحد عناصر القمع الأمني تفاصيل مروّعة عن عمليات القتل في 8 و9 يناير الماضي، بدءًا بتوزيع السلاح على "البلطجية" داخل مراكز استخبارات الحرس الثوري الإيراني، مرورًا بإطلاق الرصاص على الجرحى، واستخدام شاحنات مبردة تابعة لشركة "ميهن" لنقل الجثامين، وانتزاع أقراط الفتيات المقتولات.
وكان كاظم (اسم مستعار)، البالغ من العمر 40 عامًا ويقيم في طهران ويعمل في وظيفة حرة، أحد الذين شاركوا في ليلتي الخميس والجمعة 8 و9 يناير (كانون الثاني) الماضي كجزء من "آلة القمع" في شوارع العاصمة.
ويذكر أنه بسبب علاقاته العائلية كان على تواصل سابق مع بعض الأجهزة الحكومية، ويضيف أنه خلال حادثة معينة، وبسبب ما يصفه بـ"خطأ فادح"، تم احتجازه لفترة طويلة لدى جهاز الاستخبارات التابع للحرس الثوري الإيراني، وأُفرج عنه مقابل وعده بالتعاون معهم.
وأكد كاظم أن يده لم تُلطخ بدماء أحد، لكنه يقول إنه تحت الضغط والتهديد على حياته، وكونهم يعرفون نقاط ضعفه، فإنه مضطر للتعاون مع جهاز الاستخبارات كلما أرادوا ذلك.
وما يسرده هذا العضو في جهاز القمع يقدّم تفاصيل دقيقة حول كيفية تجهيز القتلة وأسلوب عملهم في طهران، وهي تفاصيل سبق أن نقلتها وسائل الإعلام وبعض منظمات حقوق الإنسان بشكل عام خلال الأسابيع الماضية.
توزيع الأسلحة ومنح "إذن بالقتل"
يقول كاظم إنه في مساء الأربعاء 7 يناير الماضي بينما كان عائدًا من عمله إلى منزله، تلقى اتصالًا من رابط أمني يُطالبه بالوصول صباح الخميس الساعة 10 صباحًا إلى معسكر "ولیعصر" التابع للحرس الثوري الإيراني.
ويضيف أن ضابط الأمن لم يوضح له سبب الاستدعاء، لكنه خمّن أن الأمر مرتبط بالدعوات للاحتجاجات في 8 و9 يناير.
ويقع المعسكر التابع لجهاز الاستخبارات في الحرس الثوري بمنطقة طهران الكبرى. في هذا الموقع ومع المباني المساندة المحيطة به، ويُدار ويُنسّق من هناك إرسال عناصر الأمن والملابس المدنية إلى شوارع طهران.
ويقول كاظم إنه في صباح الخميس 8 يناير كان هناك عدد كبير من الأشخاص، وقد تعرف على بعضهم من مناسبات سابقة، ويصف الوضع قائلاً: "باستثناء عدد قليل من الأشخاص المألوفين، كان هناك نوعان من الأشخاص: بعضهم بملابس رسمية أو أشخاص يعملون كحرفيين، ربما مثل حالتي، متحكم فيهم هذا الجهاز، والبعض الآخر كان من الأشرار والمجرمين، وهؤلاء كانوا يتصرفون بشكل وحشي للغاية".
وبعد ذلك، تم جمع المجموعة، التي كانت تتراوح بين 50 و60 شخصًا، في صالة واحدة، حيث شرح لهم أحد المسؤولين في الاستخبارات احتمال وقوع "أعمال شغب خلال الليلتين المقبلتين"، وأكد أنهم سيشاركون إلى جانب بقية القوات في "السيطرة على الاضطرابات".
ويشير كاظم إلى أنه نظرًا لأن بعض الأشخاص لم يسبق لهم التعامل مع الأسلحة، فقد تم تقديم تدريب قصير على استخدام الأسلحة لهم، وتم توزيع رخص وحُدّدت الصلاحيات بحسب خبرة كل فرد في استخدام الأسلحة، لتسليم الكلاشينكوف، المسدسات، والذخيرة.
•
•
يضيف كاظم أن الرخصة التي أُعطيت له كانت حكم مهمة مؤقتة، تحمل شعارًا دينيًا وموقعة من نائب عمليات الحرس في مقر الإمام علي، ويقول:
"أخذت سلاحًا من مستودع الأسلحة، وكان من المقرر أن أذهب الساعة الخامسة عصرًا إلى منطقة مقاومة الباسیج "القدس" في جنت آباد لأبدأ عملي هناك"
وتشير التقارير الإعلامية والأدلة الميدانية المتعددة إلى أنه إلى جانب قوات الحرس والباسيج والوحدة الخاصة، شارك أيضًا عناصر الملابس المدنية، العناصر غير الرسمية، والأشرار والمجرمين في قمع احتجاجات 8 و9 يناير.
وقد ذكرت منظمة مراقبة حقوق الإنسان، في تقرير سابق، نقلاً عن شهود عيان، أن عناصر الملابس المدنية أطلقوا النار بشكل عشوائي وبدون تمييز على المتظاهرين.
مجزرة في صادقیة.. ونمطان لاصطياد البشر
وفقًا لما روى هذا العنصر غير الرسمي في جهاز القمع، تجمع في مقر الباسیج بـ "جنت آباد" عدد كبير من عناصر الباسيج بالملابس المدنية. ويقول كاظم: "استغرقت عملية تقسيم الأشخاص عدة ساعات، وتم تحديد منطقة لكل مجموعة. سافر الأفراد على متن الدراجات النارية زوجًا زوجًا، بينما غادر آخرون في سيارات تويوتا هایلوكس أو بيجو. أنا أيضًا ركبْتُ سيارة مع شخص آخر، ووصلنا قبل الساعة الثامنة إلى المنطقة المخصصة لنا".
وتُعد منطقة صادقیة، وفقًا لتقارير وسائل الإعلام المتعددة، وفيديوهات المواطنين، ومصادر المستشفيات التي اعتمدت عليها تقارير منظمة العفو الدولية، من أهم بؤر الاشتباكات والقتل خلال هاتين الليلتين.
ويضيف كاظم أنه خلال ليلتي الخميس والجمعة 8 و9 يناير لاحظ نمطين جديدين لقتل الناس لم يسبق له مشاهدتهما في احتجاجات سابقة حضرها.
وهو يصف هذين النمطين بـ: "اصطياد القادة وفخ الموت".
وفقًا لكاظم، قام عدد من عناصر الحرس الثوري الماهرين بالتوغل بين المتظاهرين، متظاهرين بالاندماج معهم، لكن مهمتهم الرئيسية كانت تحديد القادة أو الأشخاص المتقدمين في الاحتجاجات، وغالبًا كانوا يظهرون بمظهر رياضي أو قوي.
وبعد تحديد الهدف، كانوا يقتلون هؤلاء الأفراد في أماكن مناسبة، مثل شوارع مظلمة مقطوعة الإنارة، عبر إطلاق النار عليهم من الخلف باستخدام المسدسات، أو عبر الاتصال بالقناصة المنتشرين على أسطح المباني المحيطة، حيث كانوا يزودونهم بوصف دقيق للملابس واللون، ليقوم القناصة باستهدافهم بدقة.
وتم نشر أسماء وصور عديدة لرياضيين قُتلوا في مختلف الرياضات على المستويات المحلية والإقليمية والوطنية، ما يدل على أن استهدافهم كان ضمن سياسة ممنهجة للقتل.
ويشير كاظم إلى أن النمط الآخر لقتل الناس خلال هاتين الليلتين كان توجيه الناس الهاربين من إطلاق النار إلى أزقة مسدودة أو أماكن سبق أن سيطرت عليها قوات الأمن، حيث كانوا ينتظرون "صيد الناس".
وتابع: "هذا النمط، خاصة ليلة الجمعة في المنطقة التي كنت فيها، تكرر عدة مرات. الهدف كان قتل أكبر عدد ممكن. لم يكن الهدف اعتقال أي شخص، وسقط الكثيرون في كمائنهم وقُتلوا".
وتؤكد مقاطع الفيديو العديدة، التي وصلت إلى "إيران إنترناشيونال"، بالإضافة إلى تقارير موثقة نشرتها وسائل الإعلام مثل "رويترز" و"إيران إنترناشيونال"، والتي تحقق فيها منظم العفو الدولية، وجود قناصة على أسطح المباني (بما في ذلك مركز شرطة) وإطلاق النار على رؤوس وأجساد المتظاهرين.
ووفقًا لشهادة شاهد عيان في حديثه مع "إيران إنترناشيونال"، في صباح يوم الأحد 11 يناير الماضي د، ورغم أن سيارات المياه التابعة للبلدية قد نظفت الشوارع من الدماء، إلا أن آثار الدم لا تزال واضحة على شارع ومراتب المشاة في شارع أشرفي إصفهاني بصادقیة، حيث أضاف: "في جزء من الرصيف، كان هناك أثر دماء لأقدام شخص يبدو أنه كان يحاول الهروب".
وبحسب المعلومات، التي وصلت إلى "إيران إنترناشيونال"، في جلسة طارئة حضرها كبار مسؤولي الصحة في طهران صباح 9 يناير الماضي، أعلن أحد المسؤولين البارزين أن تجميع بيانات المستشفيات في طهران حتى ذلك الحين أظهر مقتل ما لا يقل عن 1800 شخص خلال قمع الاحتجاجات مساء 8 يناير الماضي.
الرصاصة الأخيرة وذبح الأطفال
تقدم رواية كاظم لمشاهد مواجهة الجرحى صورة مروعة عن طريقة المذبحة الجماعية التي نفذها عناصر القمع ضد المتظاهرين.
ويحكي كاظم أنه في أحد شوارع جنوب طهران، اقترب من متظاهر جريح فاقدًا لكثير من الدماء، قائلاً: "توسل إلي قائلاً: لديّ طفل صغير، لا تطلق عليّ النار".
ويقول كاظم إنه أخبره أن يتظاهر بالموت حتى لا يُطلق عليه الرصاص الأخير، لكن بعد دقائق، شهد: "توقفت دراجة نارية بجانب هذا الرجل الجريح، فقام أحد العناصر بركلة على جسده، وعندما تأكد من أنه لا يزال حيًا، أطلق النار على رأسه عن قرب".
أما الجزء الأكثر رعبًا في رواية هذا العنصر، فهو ما يتعلق بالأطفال.
يشير كاظم إلى أنه وفقًا لتقديراته لعدد الأطفال الذين قُتلوا خلال هاتين الليلتين في صادقیة وجنوب طهران، يقدر عدد الأطفال الذين قتلوا بما لا يقل عن 200 طفل في طهران خلال هاتين الليلتين.
ويضيف: "مثل احتجاجات 2023 تم استخدام شاحنات التبريد التابعة لشركة میهن. كانت تُستخدم لنقل الجثث وتحريكها. وأنا شخصيًا ساعدت في تحميل الجثث".
ولكن الأمر لم يقتصر على قتل الناس فقط؛ فقد اعتبرت عناصر القمع أن الاستيلاء على ممتلكات الضحايا حق لهم.
ويضيف كاظم: "بينما كنا نحمل الجثث في إحدى مناطق طهران داخل شاحنة میهن، رأيت الشخص الذي بجانبي، قبل أن يضع فتاة صغيرة قتلت- عمرها 9 أو 10 سنوات- في الشاحنة، قد نزع قلادتها وأقراطها ووضعها في جيبه. نظرت إليه بخوف، فرد علي بنظرة جعلتني أخاف وقلت: من حقك أن تأخذها، أنا لا شأن لي".
كما أكدت منظمة حقوق الإنسان في إيران، في تقرير نشر في 3 فبراير الجاري استنادًا إلى شاهد عيان في محافظة لرستان، أن عناصر الأمن نقلوا جثث القتلى باستخدام شاحنات تبريد شركة میهن إلى ساحات أحد المستشفيات في تلك المحافظة.
وتواصلت "إيران إنترناشيونال" مع شركة میهن للاستفسار عن استخدام شاحناتها لنقل جثث الضحايا خلال احتجاجات 18 و19 دیماه، وما إذا كانوا يؤكدون ذلك، لكن حتى وقت نشر التقرير، لم تتلقَ الشبكة أي رد من الشركة.
وأكدت تقارير "فرانس 24" ومنظمة العفو الدولية بمكتب سويسرا أن استخدام سيارات نقل المواد الغذائية والحاويات لنقل جثث الضحايا كان واقعًا وحقيقة موثقة.
إحراق الممتلكات العامة وحضور القوات الأجنبية
يؤكد هذا العنصر الميداني في جهاز القمع، بحسب ما شهده بنفسه، أن إحراق البنوك والمساجد كان من فعل عناصر الأمن أنفسهم، مضيفًا: "كانوا يفرغون المكان أولاً قدر الإمكان قبل إحراقه. شخصيًا شاهدت حالة تم فيها التأكيد على إخراج جميع الممتلكات الثمينة من المسجد قبل إحراقه."
كما يؤكد كاظم وجود قوات من الحشد الشعبي في ليلة 8 يناير في صادقیة: "الغالبية العظمى من العناصر الذين نفذوا العملية كانوا الحرس الثوري، عناصر الملابس المدنية، الباسيج، والأجهزة الأمنية، لكنني رأيت ليلة الأول في صادقیة عددًا قليلًا من قوات الحشد الشعبي".
ويضيف أنه في الأماكن التي حضر فيها، كان دور الشرطة والوحدة الخاصة محدودًا خلال كلتا الليلتين في قمع وقتل الناس: "يبدو لي أنهم لم يكونوا مستعدين لقتل بهذا المستوى".
وتشير التقارير الإعلامية إلى أن حضور قوات الحشد الشعبي كان محدودًا في بعض مناطق البلاد خلال القمع.
كما تظهر الفيديوهات القادمة من إيران أن تخريب الممتلكات العامة تم بواسطة قوات الأمن نفسها. وقد تحقق بعض وسائل الإعلام، بما في ذلك صحيفة "لوموند"، من صحة هذه الفيديوهات.
تجارة الحكومة بجثث القتلى
يؤكد كاظم، الذي كان حاضرًا حتى الساعات الأولى من صباح يوم السبت 10 يناير في جنوب طهران أثناء القمع، أنه لم يقتل أحدًا، وكان يطلق طلقات تحذيرية فقط.
ويضيف أنه قبل ظهر يوم السبت، أعاد سلاحه إلى معسكر ولیعصر ولم تعد هناك حاجة لمساعدته بعد ذلك.
ومع ذلك، يؤكد كاظم أنه بحسب ما سمع من زملائه ومصادره: المبالغ التي طُلبت من عائلات القتلى مقابل تسليم جثث أحبائهم تم تحديدها بناءً على "مكان السكن" و"مدى الأضرار التي لحقت بتلك المنطقة": "لم يستطع الجميع الحصول على المال مقابل الجثث، لكن من أخذوا، تم حساب ذلك بناءً على حجم الضرر الذي لحق بالمنطقة التي قتل فيها الفرد".
وقد وثقت "إيران إنترناشيونال" في تقارير متعددة ابتزازًا ماليًا من عائلات القتلى مقابل تسليم جثث أحبائهم.
توضح رواية هذا العنصر في القمع واحدة من قطع "البازل"، التي تظهر أن قمع احتجاجات 8 و9 يناير لم يكن مجرد رد فعل أمني على الشوارع، بل كان عملية عسكرية مخططة لقتل عدد كبير من المحتجين.
كشف أحد عناصر القمع المشاركين في جرائم 8 و9 يناير الماضي، تفاصيل مروّعة عن عمليات القتل، بدءًا بتوزيع السلاح على البلطجية.داخل استخبارات الحرس الثوري الإيراني، مرورًا بإطلاق الرصاص على الجرحى، واستخدام شاحنات مبردة تابعة لشركة "ميهن" لنقل الجثامين وانتزاع أقراط الفتيات المقتولات.
وكان كاظم، وهو اسم مستعار لرجل يبلغ 40 عامًا من سكان طهران ويعمل في مهنة حرة، أحد المشاركين خلال ليلتي الخميس والجمعة 8 يناير و 9 يناير ضمن ما وصفه بـ"آلة القمع" في شوارع العاصمة.
ويقول إنه، وبسبب ارتباطات عائلية سابقة مع بعض مؤسسات النظام كانت له صلات ببعض الجهات الرسمية، مضيفًا أنه تعرّض للاعتقال لفترة وصفها بالطويلة نسبيًا لدى استخبارات الحرس الثوري على خلفية ما اعتبره "خطأً فادحًا"، قبل أن يُفرج عنه بعد تعهده بالتعاون.
أفادت صحيفة "نيويورك تايمز"، نقلاً عن ثلاثة مسؤولين إيرانيين مطلعين على مسار المفاوضات النووية في جنيف، بأن إيران تسعى إلى استمالة واشنطن عبر طرح حوافز مالية وفرصِ استثمارٍ وتجارةٍ مع الولايات المتحدة، بما في ذلك قطاعا النفط والطاقة.
وقال المسؤولون الثلاثة إن طهران أعلنت خلال المفاوضات استعدادها لتعليق تخصيب اليورانيوم لمدة تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات، على أن تنضم بعد ذلك إلى "كونسورتيوم" إقليمي للتخصيب للأغراض السلمية. وأضافوا أن إيران اقترحت أيضاً تخفيف مخزونها من اليورانيوم داخل البلاد وبحضور مفتشين دوليين، مقابل رفع العقوبات المالية والمصرفية الأميركية، وإنهاء الحظر المفروض على بيع نفطها.
من جانب آخر، كتبت هيئة تحرير صحيفة "وول ستريت جورنال" في افتتاحيةٍ لها أن إيران تحاول دفع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إلى تبني نهج مماثل لسياسة الرئيس الأسبق باراك أوباما تجاه طهران عام 2009؛ وهو نهج اعتبرت الصحيفة أنه يقوم على غض الطرف عن القمع الداخلي مقابل المضي قدماً في المفاوضات النووية.
وأشارت الصحيفة إلى أن المحادثات الأخيرة في جنيف تعكس هذا المسعى، رغم أن تعزيز الوجود العسكري الأميركي في المنطقة يثير تساؤلات بشأن المسار النهائي لواشنطن. وفي السياق ذاته، ذكر موقع "وور زون" المتخصص في شؤون الصناعات الدفاعية والأمن القومي الأميركي أن نشر قوة عسكرية أميركية كبيرة قرب إيران يوحي بأن التحضيرات لهجوم محتمل تمر بمراحلها النهائية.
بدوره، قال الضابط السابق في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية ورئيس برنامج إيران في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، راز زيمت، إن احتمال وقوع هجوم يفوق احتمال نجاح المسار الدبلوماسي، معتبراً أن ترامب قد لا يتحلى بالصبر أو الاستعداد اللازمين لقبول المطالب النهائية لطهران. وأضاف أنه لا ينظر بتفاؤل إلى آفاق المفاوضات، معرباً عن شكوكه إزاء موجة التفاؤل المعلنة من بعض الأطراف.
وفي افتتاحيتها، أشارت "وول ستريت جورنال" إلى تصريحات مسؤولين إيرانيين، من بينهم وزير الخارجية عباس عراقجي، بشأن إحراز "تقدم في المفاوضات"، لكنها شددت على أن الأطر المطروحة لا تزال غامضة، وأن طهران وعدت بتقديم مقترحات تفصيلية خلال الأسابيع المقبلة. وفي المقابل، تحدثت واشنطن عن "خطوط حمراء"، في وقت تتواتر فيه تقارير عن تعزيز كبير في القدرات الجوية الأميركية بالمنطقة.
ورأت الصحيفة أن جوهر المقترح المطروح يتمثل في تعليق مؤقت للتخصيب مقابل تخفيف العقوبات، معتبرة أن مثل هذه الخطوة قد تعزز الوضعين الداخلي والمالي للحكومة الإيرانية. كما شككت في فرضية إمكانية احتواء التهديد النووي من دون تغيير في بنية السلطة في إيران، معتبرة أن جذور الأزمة تعود إلى الطبيعة الأيديولوجية والأمنية للنظام السياسي.
من جهته، أفاد موقع "والا نيوز" الإسرائيلي بأن الجيش الإسرائيلي يجري تنسيقاً وثيقاً مع القيادة المركزية الأميركية ومسؤولي وزارة الدفاع الأميركية تحسباً لاحتمال فشل المفاوضات وتصاعد التوتر. وذكر الموقع أن الأوساط الإسرائيلية تفترض أن طهران تستعد أيضاً لاحتمال انهيار المحادثات، وأنها تهيئ قواتها لأي تصعيد محتمل تحت غطاء المناورات العسكرية.
وكانت وكالة "تسنيم" التابعة للحرس الثوري قد أفادت يوم أمس، بالتزامن مع مفاوضات جنيف، بأن جزءاً من مضيق هرمز أُغلق لساعات خلال مناورات بحرية. ونقلت الوكالة عن قائد القوة البحرية في الحرس الثوري، علي رضا تنغسيري، أن حركة الملاحة في المضيق مُنعت مؤقتاً لإجراء المناورات، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن قرار إغلاق المضيق يعود إلى "قيادة النظام"، مؤكداً استعداد القوات لتنفيذه إذا صدر الأمر بذلك.
وأثار خبر الإغلاق المؤقت لمضيق هرمز اهتمام وسائل إعلام عالمية؛ إذ ذكرت وكالة "أسوشيتد برس" أن الخطوة الإيرانية النادرة تزامنت مع جولة جديدة من المحادثات غير المباشرة بين طهران وواشنطن بشأن البرنامج النووي الإيراني المثير للجدل.
أفاد موقع "ذا وور زون"، المتخصص في شؤون الصناعات الدفاعية والأمن القومي الأميركي، بأن الولايات المتحدة تنشر قوة عسكرية ضخمة قرب إيران، مشيرًا إلى أن ترتيبات توجيه ضربة محتملة ضدها دخلت مراحلها النهائية.
وذكر تقرير الموقع أنه في الوقت الذي يدرس فيه دونالد ترامب خيار تنفيذ هجوم عسكري على إيران، يتواصل تدفق القوات والمعدات العسكرية إلى المنطقة.
ووفقًا لبيانات تتبع الرحلات الجوية، فإن مقاتلات "إف-22 رابتور" و"إف-16 فايتينغ فالكون"، وطائرات الإنذار المبكر "إي-3 سنتري" (أواكس)، إضافة إلى طائرة التجسس يو-2 "دراغون ليدي"، إما عبرت المحيط الأطلسي أو وصلت حديثًا إلى أوروبا.
كما أعلن مسؤول في البحرية الأميركية إرسال المدمرة الموجهة "يو إس إس بينكني" من فئة "آرلي بيرك" إلى نطاق مسؤولية القيادة المركزية الأميركية.
ورغم عدم وضوح ما إذا كان ترامب سيصدر أمر الهجوم، فإن هذه التحركات تتطابق مع الاستعدادات المتوقعة قبل أي عملية واسعة، دفاعية كانت أم هجومية.
وتمثل التحركات الجوية شرقًا المرحلة الأكثر كثافة في تعزيز القوات، وهي عملية بدأت عقب تهديدات ترامب لإيران بسبب تعاملها العنيف مع المحتجين.
تعزيزات جوية واسعة
غادرت 12 مقاتلة "إف-22" قاعدة "لانغلي" في فيرجينيا متجهة شرقًا، ويرجح أن تكون وجهتها الأولى قاعدة "ليكنهيث" البريطانية. كما تشير البيانات إلى تحرك ما لا يقل عن 36 مقاتلة "إف-16" من قواعد في إيطاليا وألمانيا وكارولاينا الجنوبية نحو الشرق الأوسط.
وهبطت طائرتا "أواكس إي-3" في قاعدة ميلدنهال البريطانية، فيما تتجه طائرة "يو-2" إلى المنطقة لأغراض الاستطلاع والربط العملياتي بين المقاتلات الشبحية.
وقبل ذلك بيوم، تحركت 18 مقاتلة "F-35i" من "ليكنهيث" إلى قاعدة موفق السلطي في الأردن، التي تحولت إلى مركز رئيسي لتجميع المقاتلات الأميركية.
الحشد البحري
مع انضمام المدمرة "بينكني"، بات لدى البحرية الأميركية 12 قطعة سطحية قتالية في المنطقة، من بينها مجموعة حاملة الطائرات "يو إس إس أبراهام لينكولن"، إضافة إلى وجود غواصات نووية. كما تتحرك مجموعة حاملة الطائرات "يو إس إس جيرالد آر. فورد" نحو الشرق الأوسط. ويُقدّر عدد القوات الأميركية المنتشرة في المنطقة بأكثر من 30 ألف جندي.
رد إيران ومناورات هرمز
في المقابل، أعلن الحرس الثوري الإيراني إغلاق مضيق هرمز لإجراء مناورات بالذخيرة الحية تحت عنوان "السيطرة الذكية على مضيق هرمز"، شملت إطلاق صواريخ كروز مضادة للسفن وعمليات بطائرات مسيّرة وغواصات.
وحذر المرشد الإيراني علي خامنئي قائلاً: "إن حاملات الطائرات أداة خطيرة، لكن الأخطر منها هو السلاح الذي يستطيع إرسالها إلى قاع البحر".
المفاوضات تحت الضغط
تزامنت هذه التطورات مع جولة مفاوضات غير مباشرة في سويسرا بوساطة عُمانية، انتهت بالاتفاق على "مبادئ إرشادية". وأعلن وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، تبادل مسودات مقترحات، فيما أبدى الجانب الأميركي حذرًا أكبر بشأن الحديث عن تقدم ملموس.
ورغم استمرار المحادثات، تبقى الفجوة عميقة: فواشنطن تسعى لمنع إيران كليًا من امتلاك قدرة نووية عسكرية، بينما تؤكد طهران أن حقها في الاستخدام السلمي للطاقة النووية "غير قابل للتفاوض".
ورغم أن القرار النهائي لترامب لم يُحسم بعد، فإن التعزيزات الجوية والبحرية الأخيرة تعزز خياراته العسكرية بشكل ملحوظ، وتضفي مصداقية أكبر على تهديد تنفيذ هجوم واسع النطاق قد يمتد لأسابيع، خاصة إذا شاركت إسرائيل بكامل قدراتها.
أفادت وحدة التحقق التابعة لشبكة "بي بي سي" العالمية، بأن التحضيرات العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط تتسم- مقارنة بإجراءات سابقة- بـ"عمق واستدامة أكبر".
وأشارت الشبكة إلى أن هذه الاستعدادات تفوق، من حيث الحجم والاستمرارية، ما كان قائماً قبل توقيف الرئيس الفنزويلي السابق، أو قبل الضربات الجوية التي استهدفت المنشآت النووية الإيرانية خلال ما عُرف بـ"حرب الأيام الاثني عشر".
ونقلت "بي بي سي" عن الرئيس التنفيذي لشركة "سيبيلين" المتخصصة في الاستخبارات وتقييم المخاطر، جاستن كرامب، قوله: إن حشد السفن الحربية والطائرات في المنطقة يتيح للولايات المتحدة تنفيذ نحو 800 مهمة جوية يومياً "بكثافة مرتفعة نسبياً وبصورة متواصلة".
وأوضح الخبير العسكري أن الهدف من نشر هذا الحجم من القدرات العسكرية يتمثل في "تحييد أي رد فعل" محتمل من جانب النظام الإيراني.
وفي سياق متصل، قال السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، خلال زيارة إلى إسرائيل: إن قرار واشنطن بشأن "التحرك ضد إيران" قد يُتخذ خلال أسابيع، مؤكداً أن حاملة الطائرات "جيرالد فورد" لم تُرسل إلى المنطقة لاستعراض القوة أو لـ"النزهة".
وأضاف أن "النظام الإيراني يمر بأضعف مراحله تاريخياً"، مشيراً إلى عدم وجود خلاف بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن الملف الإيراني.
في المقابل، ذكرت شبكة "سي إن إن"- نقلاً عن مصادر مطلعة لم تسمّها- أن تحركات المعدات العسكرية الأميركية تهدف إلى زيادة الضغط على طهران، إضافة إلى توفير خيارات عسكرية في حال فشل المفاوضات النووية.
وتجري الولايات المتحدة وإيران جولة جديدة من المحادثات في جنيف، استكمالاً لمسار تفاوضي بدأ في مسقط؛ بهدف معالجة الخلاف المستمر بينهما بشأن البرنامج النووي.
ووفقاً لتقرير "سي إن إن"، يجري نقل معدات تابعة لسلاح الجو الأميركي كانت متمركزة في بريطانيا- من بينها طائرات للتزود بالوقود ومقاتلات- إلى مواقع أقرب إلى الشرق الأوسط. كما تم إرسال أنظمة دفاع جوي إضافية إلى المنطقة، وتم تمديد مهام بعض الوحدات العسكرية الأميركية التي كان من المقرر استبدالها خلال الأسابيع المقبلة.
وتُظهر بيانات تتبع الرحلات أن عشرات طائرات النقل العسكري الأميركية نقلت، خلال الأسابيع الأخيرة، معدات إلى الأردن والبحرين والمملكة العربية السعودية، فيما سُجلت أكثر من 250 رحلة شحن عسكرية إلى المنطقة استناداً إلى بيانات علنية.
وأظهرت صور الأقمار الصناعية تمركز 12 مقاتلة أميركية من طراز "إف-15" منذ 25 يناير في قاعدة "موفق السلطي" الجوية في الأردن، كما حصلت مقاتلات إضافية على تصاريح دبلوماسية لدخول المجال الجوي الأردني.
وذكرت "بي بي سي" أيضاً، استناداً إلى بيانات تتبع الطيران، أن ما لا يقل عن ست طائرات تزويد بالوقود من طراز "كي سي-135" تابعة لسلاح الجو الأميركي غادرت قاعدة "راف ميلدنهال" في مقاطعة سافك بشرق إنجلترا، متجهة نحو الجنوب الشرقي عبر الأجواء الفرنسية ثم البحر المتوسط.
ذكرت معلومات وصلت إلى "إيران إنترناشيونال" أن قوات الأمن الإيرانية شنت هجومًا على قرية "جنار" في مدينة أسد آباد بمحافظة همدان، وفي الوقت ذاته قامت بمحاصرة القرية واعتقلت مئات السكان.
وبحسب التقارير الواردة، بدأ الهجوم في الساعة 4:30 فجر يوم الاثنين 16 فبراير (شباط) باستخدام عشرات المركبات المدرعة وعدة حافلات صغيرة وسيارات فان، كما قامت القوات بنصب أربع رشاشات دوشكا على أسطح بعض المنازل.
وأفادت المعلومات بأن قوات الأمن قامت بجولة بالسكان المعتقلين في شوارع المدينة داخل مركبات مزودة بقضبان حديدية، قبل نقلهم إلى مركز شرطة "أسدآباد".
وتشير التقارير إلى أن عددًا من السكان أصيبوا خلال عمليات الاعتقال الواسعة، وتعرض بعضهم للضرب المبرح على يد القوات.
وأوضحت المصادر أن السكان الآخرين الذين تجمعوا أمام مركز الشرطة لمتابعة أوضاع المعتقلين سمعوا أصوات صراخ من داخل المركز.
وقال مصدر مطلع لـ "إيران إنترناشيونال" إن سكان قرية «جنار» كانوا نشطاء جدًا خلال الاحتجاجات الشعبية الأخيرة، وأن شعار "خامنئي قاتل" قد هتف لأول مرة في هذه القرية، كما أن رفع علم «الأسد والشمس» من قبل الأهالي في التظاهرات كان لافتًا للانتباه.
وأضاف المصدر أن سكان القرية دفنوا ضحايا الاحتجاجات دون غسل وأقاموا مراسم قراءة "شاهنامه" خلال جنازاتهم.
وأفاد المصدر ذاته أن إمام الجمعة في المنطقة قد أخبر شيوخ القرية بأنه سيتم «تأديبهم» بسبب دورهم النشط في الثورة الوطنية.
وكانت إيران إنترناشيونال قد أفادت في 8 يناير (كانون الثاني) الماضي، مستندة إلى فيديو، أن عددًا من محتجي قرية «جنار» هتفوا مساء 7 يناير بشعارات مؤيدة لولي عهد إيران السابق، أثناء حملهم علم الأسد والشمس. كما أفادت في 5 يناير، استنادًا إلى فيديو آخر، أن سكان القرية هتفوا بشعار "خامنئي قاتل.. زهي خیال باطل" خلال تجمع احتجاجي لهم.
ولاقى شعار "زهي خیال باطل" صدى واسعًا بعد أن استخدمه إيلون ماسك، مالك شبكة "إكس"، ردًا على أحد منشورات المرشد الإيراني، علي خامنئي، بشأن عدم الاستسلام.
وأثارت الاعتقالات الواسعة في قرية «جنار» وغياب معلومات دقيقة حول عدد المعتقلين وحالتهم الصحية قلقًا شديدًا بين العائلات وسكان المنطقة.
وجاء الهجوم على القرية في وقت تشير فيه تقارير حقوقية إلى استمرار الاعتقالات الواسعة في مدن مختلفة خلال الأسابيع الأخيرة، حيث أفادت التقارير بأن عشرات الآلاف من الأشخاص قد اعتُقلوا منذ بداية الاحتجاجات وحتى الآن.
وتشير بعض المصادر المستقلة إلى أن العدد الحقيقي للمستدعين والمعتقلين قد يقترب من 100 ألف شخص أو أكثر.
وفي الوقت نفسه، حذرت العائلات والنشطاء الحقوقيون من خطر سوء معاملة المعتقلين، ومن حرمانهم من حق الاتصال والمحامي، ومن احتمال صدور أحكام قاسية عقب محاكمات سريعة.