مضيق "هرمز".. رهان المتشددين في إيران لمواجهة الولايات المتحدة

تصعّد الأصوات المتشددة في طهران خطابها بشأن مضيق هرمز، داعية إلى فرض رسوم عبور على السفن، في وقت يختبر فيه حصار أميركي سيطرة إيران على هذا الممر المائي الاستراتيجي.
إيران إنترناشيونال

تصعّد الأصوات المتشددة في طهران خطابها بشأن مضيق هرمز، داعية إلى فرض رسوم عبور على السفن، في وقت يختبر فيه حصار أميركي سيطرة إيران على هذا الممر المائي الاستراتيجي.
ويصوّر هؤلاء السيطرة على هرمز- تمامًا كما هو الحال مع تخصيب اليورانيوم- على أنها “خط أحمر” لا ينبغي للمفاوضين الإيرانيين التنازل عنه في أي محادثات مستقبلية.
وقد أعلن عضو البرلمان الإيراني، أمير حسين ثابتـي، مؤخرًا أن بلاده قد تحصل قريبًا على “مصدر دخل ثالث يُسمى مضيق هرمز”.
وذهب المحلل الاستراتيجي ومستشار رئيس البرلمان، مهدي محمدي، إلى أبعد من ذلك، حيث زعم أن إيران يمكن أن تجني ما يصل إلى 800 مليار دولار سنويًا من هذا الممر المائي.
وكتب: “لقد اكتشفنا هذا الكنز للتو”.
وقال محلل الطاقة، إحسان حسيني، إن إيران باتت تنظر بشكل متزايد إلى المضيق باعتباره وسيلة الردع الرئيسية لديها- مشبهًا إياه بـ “قنبلة ذرية”- وأنها غير مستعدة للتخلي عن هذا النفوذ القائم مقابل وعود غير مؤكدة برفع العقوبات.
ومع ذلك، يرى خبراء ومنتقدون أن فكرة “فرض رسوم على هرمز” غير واقعية اقتصاديًا، ومثيرة للإشكال قانونيًا، وقد تضر بمصالح إيران على المدى الطويل.
وقال خبير العلاقات الدولية والأستاذ الجامعي، ناصر طرابي: “يريد البعض إعادتنا إلى الوراء، وتحويل مضيق هرمز إلى ورقة مساومة ثم التخلي عنها فقط من أجل رفع العقوبات. هذه كارثة، وهذا يعني الهزيمة”.
كما حذر المعلق الاقتصادي، عبد الله باباخاني، من التوقعات المبالغ فيها، وكتب على منصة "إكس": “يتحمل الخبراء مسؤولية التصدي للروايات المبالغ فيها- مثل الادعاءات بتحقيق 50 إلى 60 مليار دولار من عائدات مضيق هرمز- حتى لا تتشكل أو تستمر توقعات غير واقعية في المجتمع”.
وتفرض الولايات المتحدة حصارًا بحريًا على السفن التي تدخل أو تغادر الموانئ الإيرانية، في إطار جهد أوسع للضغط على طهران بعد فشل المحادثات في تحقيق اختراق.
وتُظهر بيانات الشحن من شركة “كبلر” انخفاضًا حادًا في حركة المرور عبر المضيق، حيث عبرت ست سفن فقط في 13 أبريل (نيسان) الجاري، مقارنة بـ 14 سفينة في اليوم السابق.
وفي الداخل الإيراني، رفض بعض المتشددين في البداية الحصار باعتباره خدعة. إلا أن القيادة العسكرية المشتركة العليا في إيران حذرت من أن قواتها المسلحة قد تتحرك لمنع استمرار تدفقات التجارة عبر المياه الإقليمية إذا استمر الحصار.
ومع ذلك، وبعد أكثر من يومين على بدء الحصار، لم تقدم طهران بعد على أي عمل عسكري مباشر، في وقت يستكشف فيه الطرفان المسارات الدبلوماسية لإنهاء الحرب.
وقال الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، يوم الأربعاء 15 أبريل، إن مضيق هرمز سيُعاد فتحه قريبًا أمام حركة الملاحة البحرية، رغم استمرار القوات الأميركية في فرض الحصار حول الموانئ الإيرانية.
وقد حذر بعض المعتدلين والخبراء في طهران من أن الاستخدام "العدواني" للمضيق كورقة ضغط قد يضعف موقف إيران في نهاية المطاف، خاصة مع استثمار المنتجين الإقليميين في خطوط أنابيب ومسارات تصدير صُممت لتجاوز هرمز.
وقال رئيس غرفة التجارة الإيرانية- الكويتية، إبراهيم غلام زاده زنكنه، إنه حتى لو كان فرض رسوم ممكنًا، فإن أي فائدة مالية ستبقى ضئيلة مقارنة بتكلفة عزل إيران.
وأضاف: “الحقيقة هي أن خسائرنا من العقوبات كانت- ولا تزال- أكبر بكثير من هذه الأرقام سنويًا”.

يمكن أن يؤدي حصار الولايات المتحدة البحري لمضيق هرمز إلى إلحاق ضرر بالاقتصاد الإيراني بنحو 276 مليون دولار يوميًا؛ نتيجة انخفاض الصادرات، وفي الوقت نفسه تعطيل واردات بقيمة 159 مليون دولار يوميًا؛ أي ما مجموعه 435 مليون دولار خسائر اقتصادية يومية، أو نحو 13 مليار دولار شهريًا.
ويمر أكثر من 90 في المائة من التجارة السنوية لإيران البالغة 109.7 مليار دولار عبر المياه الخليجية. ويمثل النفط والغاز نحو 80 في المائة من إيرادات الصادرات الحكومية و23.7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. جزيرة "خارك" وحدها تأتي بنحو 53 مليار دولار سنويًا، أو كما ذكرت سابقًا لمجلة "تايم"، نحو «78 مليار دولار من عائدات الطاقة سنويًا».
النفط الخام
كانت إيران تصدر نحو 1.5 مليون برميل يوميًا من النفط، وبأسعار زمن الحرب (نحو 87 دولارًا للبرميل) كانت تحقق نحو 139 مليون دولار يوميًا. ومع أن جزءًا صغيرًا فقط من هذه العائدات يعود إلى البلاد بسبب العقوبات المصرفية، فإن الحصار سيجعل هذا الدخل ينعدم عمليًا بين ليلة وضحاها. جزيرة "خارك" التي تدير 92 في المائة من صادرات النفط تقع في عمق المياه الخليجية ولا يوجد بديل عملي لها، ما يعني خسارة 139 مليون دولار يوميًا.
البتروكيماويات
بلغت صادرات إيران من البتروكيماويات في الأشهر التسعة من عام 2024-2025 نحو 19.7 مليار دولار؛ أي نحو 54 مليون دولار يوميًا. ويتم تصدير معظم هذه المنتجات عبر موانئ عسلويه، والإمام الخميني، وبندر عباس، وجميعها تقع ضمن نطاق الحصار. ولا توجد طرق برية قادرة على نقل هذه الكميات. أي خسارة إضافية قدرها 54 مليون دولار يوميًا.
الصادرات غير النفطية
بلغت التجارة غير النفطية لإيران في عام 2025 نحو 51.7 مليار دولار؛ أي 88 مليون دولار يوميًا من السلع (مثل المعادن والفلزات) يتم تصديرها عبر الموانئ الخليجية. ومن المتوقع توقف نحو 90 في المائة منها، أي خسارة ما يقارب 79 مليون دولار يوميًا.
الموانئ
يمر أكثر من 90 في المائة من التجارة البحرية الإيرانية عبر مضيق هرمز. ويقوم ميناء شهيد رجائي (بندر عباس) وحده بمعالجة 53 في المائة من عمليات الشحن. بينما يدير ميناء الإمام الخميني 58 في المائة من واردات السلع الأساسية. كما تعاملت موانئ بوشهر مع 57 مليون طن من البضائع العام الماضي. وجميعها تقع في عمق المياه الخليجية.
البدائل
خيارات إيران خارج مضيق هرمز محدودة جدًا. ميناء جاسك، الذي طُرح كمسار بديل، يعمل بجزء فقط من طاقته المصممة (مليون برميل يوميًا، إذ تم بناء 10 خزانات فقط من أصل 20 مخططًا، وقدرته الفعلية نحو 70 ألف برميل يوميًا.
وميناء تشابهار لديه قدرة 8.5 مليون طن سنويًا فقط. أما خمسة موانئ في بحر قزوين فتنقل مجتمعة 11 مليون طن، بينما يتجاوز حجم التجارة عبر المياه الخليجية 220 مليون طن.
الواردات
استوردت إيران في عام 2025 بما مقداره نحو 58 مليار دولار؛ أي 159 مليون دولار يوميًا. وسيؤدي الحصار إلى تعطيل دخول المواد الأولية الصناعية والآلات والسلع الاستهلاكية. وقد وصل التضخم الغذائي حتى فبراير (شباط) الماضي إلى 105 في المائة، وارتفع سعر الأرز سبعة أضعاف. وسيزداد الوضع سوءًا بشكل كبير تحت الحصار، رغم احتمال السماح بشحنات إنسانية.
تخزين النفط.. عامل حاسم
تمتلك إيران قدرة تخزين نفط بري تتراوح بين 50 و55 مليون برميل، وهي ممتلئة بنسبة 60 في المائة. والقدرة الفارغة نحو 20 مليون برميل. ومع إنتاج فائض يبلغ 1.5 مليون برميل يوميًا يتم تصديرها عادة، سيتم ملء هذه السعة خلال نحو 13 يومًا. بعد ذلك ستضطر إيران إلى إغلاق آبار النفط.
وهذا أمر بالغ الأهمية، لأن إغلاق الآبار القديمة يؤدي إلى تسرب المياه إلى داخل المكامن (ظاهرة تكوّن المخروط المائي). في هذه الحالة يُحبس جزء من النفط بشكل دائم داخل مسامات الصخور ولا يمكن استخراجه لاحقًا. وتتعرض الحقول النفطية الإيرانية حاليًا لانخفاض سنوي في الإنتاج بنسبة 5 إلى 8 في المائة. وقد يؤدي الإغلاق القسري للآبار إلى فقدان دائم قدره 300 إلى 500 ألف برميل يوميًا من القدرة الإنتاجية، أي ما يعادل 9 إلى 15 مليار دولار سنويًا من الإيرادات المفقودة بشكل دائم.
تسارع انهيار العملة
انخفضت قيمة الريال الإيراني من 42 ألفًا إلى 1.5 مليون مقابل الدولار الواحد. وقد حدّت البنوك من السحب اليومي إلى نحو 18 إلى 30 دولارًا. وبلغ معدل التضخم العام 47.5 في المائة. إن فقدان الإيرادات بالعملة الأجنبية نتيجة الحصار سيدفع الريال نحو تضخم جامح خارج السيطرة. وقد أصدرت الحكومة أكبر ورقة نقدية في تاريخها (10 ملايين ريال)، بقيمة تعادل نحو 7 دولارات فقط.
الخلاصة
يسبب الحصار البحري خسائر يومية بنحو 435 مليون دولار للاقتصاد الإيراني. وتمتلئ قدرة تخزين النفط خلال 13 يومًا، ما يؤدي إلى إغلاق الآبار وتضرر دائم للمكامن. ويتجه الريال نحو انهيار كامل، بينما لا تغطي البدائل خارج مضيق هرمز سوى أقل من 10 في المائة من القدرة الحالية. وفي مثل هذا الوضع، يصبح استمرار المقاومة الاقتصادية مستحيلاً عمليًا بالنسبة للنظام الإيراني.
يعني وقف إطلاق النار، بالنسبة للعالم، نفطاً أرخص وتعويض خسائر أسواق الأسهم. أما بالنسبة لإيران، فهو لحظة تُفتح فيها دفعة واحدة أزمة مجمّدة منذ 40 يوماً: بورصة ستُفتح من دون كبار اللاعبين فيها، ودولار أصبح سعره قبل الحرب بلا معنى، وتضخم كانت الحرب قد خنقت صوته مؤقتاً.
وشكّل وقف إطلاق النار الأخير بين الولايات المتحدة وإيران بالنسبة لواشنطن، ومِن ثمّ للاقتصاد العالمي، متنفساً مؤقتاً. فمنذ الإعلان عنه، انخفضت أسعار النفط، ومع استمرار التذبذب في أسواق الطاقة، تراجع خطر انقطاع الإمدادات بشكل حاد.
ونظرياً، من المفترض أن يُعاد فتح مضيق هرمز. وحتى لو كان ذلك مؤقتاً، فإنه يُعد إنجازاً مهماً للأسواق العالمية، ليس فقط للطاقة، بل أيضاً لسلاسل توريد المواد الأساسية، ومنها مدخلات إنتاج نحو نصف الأسمدة الكيميائية في العالم.
ولذلك، فإن فترة أسبوعين في شهر أبريل (نيسان)، وهي فترة حاسمة للزراعة، يمكن أن تكون مهمة لاستقرار سلاسل الإمداد الموسمية. وبعد إعلان وقف إطلاق النار، ارتفعت أسواق الأسهم العالمية وعوّضت جزءاً من خسائر الـ 40 يوماً الماضية، وفي بعض الحالات عادت إلى المنطقة الإيجابية.
ولكن داخل إيران، فالصورة أكثر تعقيداً بكثير.
الاقتصاد الإيراني
إن وقف إطلاق نار لمدة أسبوعين، خصوصاً إذا كان مؤقتاً ودون تغييرات هيكلية، قد يشكّل خطراً أكثر من كونه فرصة. فالحرب جمّدت الأزمات الاقتصادية فعلياً، وأغلقت الأسواق، وأوقفت عملية اكتشاف الأسعار. والآن، مع وقف إطلاق النار، يتعين على صنّاع القرار التعامل مع واقع أسوأ بكثير مما كان قبل الحرب.
وظلت بورصة طهران مغلقة لمدة 40 يوماً بشكل غير مسبوق. وخلال هذه الفترة لم يُحدَّد سعر صرف الدولار رسمياً. وآخر سعر قبل الحرب كان في حدود 160 ألف تومان، لكن هذا الرقم لا يعكس الواقع الحالي.
تدمير صناعي
خلال الحرب، تعرضت البنية التحتية الاستراتيجية في إيران لهجمات، وتضررت البنية الصناعية. في هجمات على مدينتي "معشور" و"عسلويه"، تضررت نحو 85 في المائة من قدرة تصدير البتروكيماويات. وبما أن هذه القطاعات تغذي صناعات مثل البلاستيك والسيارات والبناء، فإن حجم الاضطراب في سلاسل الإنتاج ما زال غير واضح، وكذلك تكلفة ومدة إعادة الإعمار.
وقال رئيس هيئة الأوراق المالية في طهران إن الشركات المتضررة ستعود للتداول بتأخير. وهذا يعني أن جزءاً كبيراً من الشركات الكبرى قد يبقى خارج السوق، حتى بعد إعادة فتح البورصة. كما أن استمرار الإغلاق يهدد بفقدان الثقة، بينما إعادة الفتح دون الشركات المصدّرة قد يؤدي إلى ضغط بيع كبير.
التضخم
التضخم هو الأزمة الأكثر إلحاحاً. قبل الحرب، تجاوز التضخم السنوي 70 في المائة، وهو الأعلى منذ الحرب العالمية الثانية. تضخم الغذاء وصل إلى ثلاث خانات؛ إذ ارتفعت أسعار المواد الأساسية مثل الخبز والحبوب بنسبة 140 في المائة، والزيوت بأكثر من 200 في المائة. في المقابل، لم ترتفع الأجور إلا وفق المعدلات الرسمية، ما أدى إلى تراجع حاد في القوة الشرائية.
وخففت الحرب مؤقتاً من هذه الضغوط عبر خفض الطلب وتجميد النشاط الاقتصادي. لكن مع وقف إطلاق النار، يُتوقع عودة الطلب المكبوت.
أزمة مالية
كان عجز الموازنة قائماً قبل الحرب، ثم زادت الحرب من تكاليف الإنفاق العسكري وإعادة الإعمار دون مصادر دخل إضافية. كما أن زيادة الضرائب بنسبة 65 في المائة في الميزانية ستثقل كاهل المواطنين، في وقت يعاني فيه جزء كبير من القوى العاملة البطالة أو ضعف الأجور.
كما تضرر النظام المالي المرتبط بدبي، التي كانت مركزاً رئيسياً للتجارة وتحويل الأموال، بعد إجراءات إماراتية ضد شبكات مرتبطة بالحرس الثوري. ورغم وجود بدائل مثل هرات وأربيل، إلا أنها أقل كفاءة، ما قد يزيد تقلبات العملة.
وقف إطلاق نار "هش"
وقف إطلاق النار الحالي هش، وقد تم خرقه عدة مرات في أول 24 ساعة. كما أن المفاوضات لا تقتصر على إيران والولايات المتحدة، بل تشمل إسرائيل والدول الخليجية والصين.
وباتت الصناعات التي كانت توفر العملة الصعبة تحتاج الآن إلى تمويل لإعادة الإعمار. وحتى في أفضل السيناريوهات الدبلوماسية، لن تتوفر الموارد التقنية والمالية اللازمة بسرعة. ومع استمرار مخاطر عودة الحرب، لن تحدث استثمارات طويلة الأجل.
وفي النهاية، ما قد يكون فرصة للعالم، هو بالنسبة لإيران بداية أزمة أعمق: عودة التضخم، انهيار العملة، وضغط اقتصادي أكبر في ظل غياب أدوات الدولة للتدخل.
في الوقت الذي يستعد فيه ممثلو الولايات المتحدة وإيران للقاء في إسلام آباد لبحث سبل إنهاء الحرب، تراقب الصين المشهد من الشرق؛ كونها لاعبًا مؤثرًا لكنه حذر، ساهم في دفع الجهود الدبلوماسية، إلا أنه من غير المرجح أن يتولى الدور الضامن الذي تطالب به طهران.
ورغم التوصل إلى وقف إطلاق نار بعد ستة أسابيع من الحرب، لا يزال الاتفاق هشًا، حتى مع المؤشرات الدبلوماسية الصادرة من واشنطن وطهران وإسلام آباد التي تفيد بأن اجتماع الوفدين قد يُعقد على الأرجح.
وفي ظل هذا الغموض وانعدام الثقة، لم يكن مفاجئًا أن يعبّر السفير الإيراني لدى الصين، عبد الرضا رحماني فضلي، علنًا عن أمله في أن تلعب بكين دور الضامن لهذه العملية.
وجاء هذا الطرح بعد تقارير أفادت بأن الصين كانت على اتصال مع كلا الطرفين خلال الجهود الدبلوماسية للتوصل إلى وقف إطلاق النار.
ولكن وزارة الخارجية الصينية امتنعت عن تقديم أي التزام، واكتفت بالقول إن بكين تأمل أن "تحل جميع الأطراف خلافاتها عبر الحوار والتفاوض"، مؤكدة استمرار تواصلها مع الأطراف المعنية.
وهذا النهج يعكس نمطًا عامًا في سلوك الصين خلال هذه الحرب: ممارسة النفوذ دون تحمّل الالتزامات.
فالصين منخرطة، ولكن بشكل محدود. فهي تحافظ على علاقاتها الاقتصادية مع إيران، وتواصل شراء النفط منها، وتدعم اقتصادها بطرق مختلفة في ظل الضغوط.
ولكن هذه الإجراءات لا ترقى إلى مستوى الدعم الذي تحتاجه طهران في أزمة حيوية؛ فلا توجد ضمانات أمنية، ولا مشاركة عسكرية، ولا رغبة في تحمل مخاطر استراتيجية كبيرة.
وهذا المستوى المحدود من التدخل يعكس قدرات الصين وأولوياتها؛ حيث تسعى بكين إلى حماية مشاريعها الاستراتيجية الكبرى بأقل تكلفة ممكنة. وقد يندرج خفض التوتر ضمن هذا الإطار، ولكن فقط بقدر ما يخدم مصالحها.
ومع بداية الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، كانت الصين مستعدة نسبيًا لامتصاص الصدمة الأولية، بفضل احتياطياتها الاستراتيجية التي كوّنتها عام 2025، وزيادة استخدام الكهرباء، ومواردها الكبيرة من الفحم المحلي. كما تبيّن سريعًا أن إيران قادرة على الصمود أمام الضربات الأولى.
وفي الوقت نفسه، يتجه النهج الإقليمي للصين بشكل متزايد نحو الدول الخليجية، مما يعزز تفضيلها للحفاظ على التوازن وعدم الانحياز.
كما أوجدت هذه الحرب فرصًا استراتيجية للصين؛ فمع انشغال الولايات المتحدة عسكريًا وسياسيًا في الشرق الأوسط، تراجع الضغط على الصين في منطقة "الهندي- الهادئ"، كما وفّرت الحرب معلومات عن قدرات وأنماط عمل الجيش الأميركي.
ولكن هذه المكاسب مشروطة ببقاء الحرب محدودة. فحرب طويلة قد تحمل مخاطر جسيمة، كما حذر دونالد ترامب من احتمال "تدمير حضارة كاملة".
فالصين ليست مستعدة لتحمل ركود عالمي بسهولة؛ إذ لا تزال الصادرات عنصرًا حيويًا في الحفاظ على الإنتاج الصناعي والنمو الاقتصادي والتوظيف. كما أن تراجع الطلب الخارجي واضطراب سلاسل التوريد قد يضعف أحد أعمدة اقتصادها.
وتحتاج بكين أيضًا إلى علاقات مستقرة مع واشنطن، لشراء الوقت وتعزيز اقتصادها في مواجهة الضغوط المستقبلية.
وإضافة إلى ذلك، في حال تصعيد الحرب، ستصبح مسألة حماية أو إجلاء مئات الآلاف من المواطنين الصينيين في المنطقة قضية ملحّة.
وفي هذه الظروف، قررت الصين التحرك: فمن جهة، استخدمت حق النقض (الفيتو) ضد مشروع قرار في مجلس الأمن قد يمنح غطاءً قانونيًا لمزيد من الهجمات ضد طهران، ومن جهة أخرى، ساهمت في فتح مسار دبلوماسي للخروج من الأزمة، وهو المسار الذي احتاج إليه الرئيس الأميركي.
ودور الصين في هذه الأزمة يُظهر في آنٍ واحد قوتها وحدود نفوذها؛ فهي قادرة على التأثير في اللحظات الحساسة، لكنها لا ترغب في لعب دور مزوّد الأمن.
كما أن تحركاتها تعتمد بشدة على الظروف؛ فلو لم تُبدِ الولايات المتحدة رغبة في خفض التصعيد، أو لم تتوفر فرصة دبلوماسية، لكان تدخل الصين أكثر محدودية.
وبعبارة أخرى، لا تسعى القيادة الصينية إلى حل كامل للأزمة، بل إلى إدارة تداعياتها. فهي لا تتحرك لإقامة نظام مستقر، بل لمنع نتائج قد تضر بمصالحها الاستراتيجية.
وطالما استمر هذا الحساب، ستبقى الصين لاعبًا مؤثرًا في أمن الشرق الأوسط، لكنها في النهاية حذرة ومحدودة الدور.
في الوقت الذي سعت فيه واشنطن لسنوات إلى تصفير صادرات النفط الإيراني عبر عقوبات قاسية، تم تحييد هذه الجهود بفضل الصين، التي قامت بشراء كميات كبيرة من النفط الإيراني، وضخت مليارات الدولارات في اقتصاد طهران، لتتحول إلى العمود الفقري لبقاء النظام الإيراني ماليًا.
وفي الوقت ذاته، طُرحت أفكار مثل «الاستيلاء على نفط إيران» من قِبل دونالد ترامب، وهي أفكار تعكس أكثر من كونها قابلة للتطبيق، جانبًا من التنافس الجيوسياسي مع بكين.
وسياسة «الضغط الأقصى» الأميركية صُممت بهدف وقف صادرات النفط الإيرانية بالكامل، لكن واقع سوق الطاقة اليوم يظهر أن هذا الهدف لم يتحقق بشكل كامل.
ويقدم تقريران حديثان من "وول ستريت جورنال" و"بلومبرغ" صورة واضحة: من جهة، أصبحت الصين شريان الحياة الاقتصادي الرئيسي لإيران حتى في خضم الحرب، ومن جهة أخرى، يطرح دونالد ترامب أفكارًا ذات طابع سياسي وإعلامي أكثر من كونها خططًا عملية.
وبحسب تقرير "وول ستريت جورنال"، تحولت الصين في السنوات الأخيرة إلى المشتري الرئيسي للنفط الإيراني، حيث تستوعب تقريبًا كامل إنتاجه. وتشير التقديرات إلى أن بكين اشترت في عام 2025 نحو 1.4 مليون برميل يوميًا من إيران، أي ما يزيد على 80 في المائة من صادراتها النفطية.
هذا الحجم من المشتريات يولد عشرات المليارات من الدولارات سنويًا لصالح طهران، ويشكّل فعليًا الركيزة الأساسية لبقاء اقتصادها في ظل العقوبات.
ولا تقتصر هذه التجارة على علاقة بيع وشراء تقليدية، بل تعتمد على شبكة معقدة للالتفاف على العقوبات، تشمل استخدام بنوك صينية صغيرة ذات ارتباط محدود بالنظام المالي العالمي، وإنشاء شركات واجهة في هونغ كونغ، إضافة إلى نشاط مصافٍ خاصة تُعرف باسم «تي بوت».
كما تُستخدم أساليب مثل تزوير الوثائق، وتغيير منشأ الشحنات، ونقل النفط من سفينة إلى أخرى في عرض البحر لإخفاء هذه التجارة.
والنقطة الجوهرية هي أنه بدون هذه الشبكة، كان من الصعب على إيران الحفاظ على صادراتها النفطية. ويؤكد أحد المحللين في مركز أبحاث بواشنطن أن الصين هي «الشريك الرئيسي لإيران في الالتفاف على العقوبات»، وأن استمرار الوضع الحالي خلال الحرب كان سيكون صعبًا للغاية بدون هذا الدعم.
مع ذلك، فإن هذا التعاون لا يخلو من تكلفة بالنسبة للصين. فخلافًا للسنوات الماضية التي كانت تحصل فيها على النفط الإيراني بخصومات كبيرة، أدت تطورات السوق والحرب إلى تقليص هذه الميزة.
ويشير تقرير "بلومبرغ" إلى أن النفط الإيراني، الذي كان يُعد مصدرًا رخيصًا للصين، يُباع الآن أحيانًا بأسعار أعلى من المتوقع. بمعنى آخر، لا تزال الصين المشتري الرئيسي، لكن شروط الصفقة لم تعد بنفس الربحية السابقة.
وفي هذا السياق، لفتت أفكار دونالد ترامب الانتباه؛ حيث اقترح أن الولايات المتحدة يمكنها «الاستيلاء» على النفط الإيراني وبيعه بنفسها، معتبرًا أن ذلك قد يحقق عوائد مالية ويعزز موقع واشنطن في مواجهة الصين. وقد قال صراحة: «لو كان القرار لي، لأخذت النفط واحتفظت به».
ولكن هذه الأفكار تواجه عقبات كبيرة؛ أولاً: من الناحية القانونية الدولية، فإن الاستيلاء على موارد دولة أخرى دون إطار قانوني يواجه تحديات خطيرة وقد يترتب عليه تداعيات واسعة.
ثانيًا: من الناحية العملية، فإن السيطرة على البنية التحتية النفطية الإيرانية تتطلب وجودًا عسكريًا واسعًا وتكاليف مالية ضخمة وانخراطًا طويل الأمد في المنطقة، وهو سيناريو غير واقعي في ظل معارضة الرأي العام الأمريكي لاستمرار الحروب.
وحتى البدائل مثل احتجاز شحنات النفط الإيراني في البحر تحمل مخاطر؛ إذ قد تؤدي إلى تصعيد عسكري وزعزعة استقرار سوق النفط العالمي، وإثارة ردود فعل من قوى أخرى، خصوصًا الصين.
وفي المحصلة، تكشف هذه المعطيات صورة مزدوجة: من جهة، تلعب الصين دور الشريك الاقتصادي الأهم لإيران، وتساهم في الحفاظ على قدرتها المالية حتى في ظل الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل؛ ومن جهة أخرى، تواجه الولايات المتحدة قيودًا عملية تحد من قدرتها على تحقيق أهدافها بالكامل رغم أدواتها العقابية الواسعة.
وفي هذا الإطار، تبدو التهديدات مثل «بيع النفط الإيراني من قبل أميركا» أقرب إلى أدوات ضغط سياسية ضمن التنافس مع الصين، أكثر من كونها خططًا قابلة للتنفيذ.
فالطاقة هنا ليست مجرد مورد اقتصادي، بل أداة جيوسياسية تؤثر في توازن القوى عالميًا.
وفي النهاية، طالما استمرت الصين في شراء النفط الإيراني، فلن تكون منظومة العقوبات فعالة بشكل كامل. هذه العلاقة، رغم تكلفتها على بكين، تظل عاملاً أساسيًا في بقاء الاقتصاد الإيراني، وتمنح طهران القدرة على الحفاظ على جزء كبير من عائداتها النفطية حتى في خضم حرب واسعة.
وفي المقابل، تبقى أفكار مثل الاستيلاء على النفط الإيراني أو بيعه من قِبل الولايات المتحدة انعكاسًا لصراع أكبر بين القوى الكبرى على الطاقة ومساراتها والنفوذ العالمي.
وهنا تتضح المفارقة الأساسية: فبينما تتعرض إيران لضغط شديد من الولايات المتحدة، فإنها لا تزال قادرة على الصمود طالما تبيع يوميًا نحو 1.6 مليون برميل من النفط، ما يوفر لها مصدرًا حيويًا للاستمرار.
إن تدمير التراث الثقافي والبنى التحتية الحيوية هو الوجه الأكثر وضوحًا وبدون مواربة للحرب؛ دمارٌ لا يحرق ماضي أمة فحسب، بل يلتهم حاضرها ومستقبلها أيضًا.
وهذا التدمير، بأي شكل كان ومن أي طرف صدر، مدان. لكن الحقيقة التي لا ينبغي أن تُخفى خلف هذا الخراب واضحة: إن جذور هذا الوضع لا تعود إلى شيء سوى السياسات الحربية والتصعيدية للنظام الإيراني.
وقبل سنوات، وقبل أن تُسمع أصوات الحرب، كانت مؤشرات الانهيار في التراث الثقافي الإيراني قد ظهرت بوضوح. ترميمات غير علمية، توقف المشاريع البحثية، اختفاء آثار تاريخية، والإهمال في حماية المواقع.. كلها دلائل على أن التدمير بدأ قبل الحرب، داخل بنيةٍ همّشت الحماية وأقصتها.
واليوم، لم تفعل الحرب سوى كشف هذا المسار وتسريعه. تُستهدف البنى التحتية، وتتضرر الآثار التاريخية، وتتفكك حياة الناس. لكن الأخطر من هذا الدمار هو السردية التي تحاول إخفاء أسبابه.
ويجب القول بوضوح: "إن هذه الحرب وتداعياتها هي نتيجة مباشرة لسياسات النظام الإيراني القائمة على التوتر والتصعيد".
وهي سياسات وضعت البلاد عمدًا على مسار المواجهة، ودفعت تكلفة بقائها من جيوب الناس، وحوّلت إيران إلى ساحة أزمات.
ولم تكن الحرب خيار الشعب، لكن الشعب هو من يدفع ثمنها اليوم: بحياته، بمعيشته، باستنشاق هواء ملوث، وبالمعاناة من شح المياه، وانقطاع الكهرباء، والآن بتدمير بيوتهم وتاريخهم.
وفي هذا السياق، يتشكل انحراف خطير: بدل التركيز على السبب الرئيسي، يُدفع المجتمع نحو صراعات داخلية. ينشغل الناس بالحكم على بعضهم البعض بدل المطالبة بالمساءلة. تُستبدل التحليلات بتهم مثل «وطني» و«غير وطني»، وهو ما يرفع المسؤولية عن الطرف الأساسي.
والشعب الذي عانى لسنوات قبل الحرب من سوء الإدارة- من تلوث الهواء إلى نقص المياه وتهالك البنية التحتية- هو اليوم ضحية تلك السياسات نفسها، ولكن بأبعاد أكثر تدميرًا. تحميل هذا الشعب اللوم ليس فقط ظلمًا، بل هو تشويه صارخ للحقيقة.
ويجب التأكيد مرارًا وبوضوح: "إن تدمير البنى التحتية والتراث الثقافي مدان، لكن المسؤول الرئيسي عن إيصال إيران إلى هذا الوضع هو النظام وسياساته التي تصنع الحروب".
وكل رواية تُضعف هذه الحقيقة، وكل تحليل يتجنب تسمية المسؤول، وكل محاولة لوضع الشعب مكان الفاعل الحقيقي، تساهم في استمرار دائرة الخراب.
إذا كان الهدف هو الدفاع عن إيران- عن شعبها، عن الحياة فيها، وعن تاريخها- فإن هذا الدفاع لا يتحقق إلا بشيء واحد: التسمية الصريحة للمسؤول، والوقوف في وجه السياسات التي فرضت الحرب على أمة بأكملها.