مفاوضات مسقط.. بين المبالغة العسكرية وأزمة شرعية النظام الإيراني

بدأت المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة في مسقط، ليس فقط كمتابعة لقضية نووية مستنزفة، بل في لحظة دخل فيها النظام الإيراني مرحلة "الحكم عبر القمع العلني" بعد قمع دموي للاحتجاجات.

بدأت المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة في مسقط، ليس فقط كمتابعة لقضية نووية مستنزفة، بل في لحظة دخل فيها النظام الإيراني مرحلة "الحكم عبر القمع العلني" بعد قمع دموي للاحتجاجات.
وفي هذا السياق، لم تعد الدبلوماسية مجرد أداة لحل النزاعات، بل هي جزء من إدارة أزمة داخلية وخارجية متزامنة، تمتد من شوارع إيران الملتهبة إلى حسابات الأمن في الدول الإقليمية.
وتحولت مسقط إلى موقع للمفاوضات في وقت لم يعد فيه التهديد بالحرب أو الضغوط الاقتصادية هو القضية الأساسية لطهران، بل فقدان الشرعية الذي يهدد قدرة النظام للسيطرة على المجتمع.
ولذلك، اكتسبت المفاوضات معنى يتجاوز المساومات التقنية: فهي محاولة للحد من الضغوط الخارجية لتثبيت السيطرة الداخلية، حيث يُنظر إلى أي انفراج اقتصادي محتمل ليس كمكسب دبلوماسي فحسب، بل كمورد لاستمرار القمع.
استعراض القوة بعد القمع.. عندما تتحول المبالغة إلى أداة بقاء
في هذا السياق، لا يمكن اعتبار المبالغة في القوة العسكرية الإيرانية مجرد تكتيك رادع كلاسيكي، بل أصبحت جزءًا من استراتيجية البقاء.
وبعد مذابح الاحتجاجات، بات النظام الإيراني أكثر من أي وقت مضى بحاجة إلى رواية "السلطة"، يرسل رسائل للسيطرة الداخلية ويحذر الخارج من تكلفة الحرب.
لذلك، لا يُعد عرض الصواريخ، والتأكيد على قدرة الرد المتبادل، وتسليط الضوء على "تكلفة الحرب" للخصوم، مصادفة في هذه المرحلة.
وقبل المفاوضات، نشر الحرس الثوري صور ما سُميّ رسميًا "مدينة صواريخ تحت الأرض"، لتأكيد انتشار وتشتت وصعوبة القضاء على القدرات الصاروخية الإيرانية، وهو ما لم يغيّر التوازن العسكري فعليًا، لكنه حمل رسالة سياسية واضحة: القدرة العسكرية لن تُمحى بسهولة حتى في حالة الهجوم.
وفي الوقت نفسه، شدّد القادة العسكريون الإيرانيون على "الاستعداد للرد الفوري" و"السيناريوهات المعدة مسبقًا"، دون أي خطوات ميدانية فعلية، مما يظهر أن الهدف الأساسي هو رفع تكلفة التصعيد الذهنية، لا خوض الحرب.
ويُعد التركيز على المدى وعدد وانتشار الصواريخ، وليس الدقة أو الفاعلية العملياتية، اختيارًا مدروسًا لجذب انتباه صانعي القرار الغربيين أكثر من العسكريين. الرسالة واضحة: الضغوط الخارجية لن تؤدي إلى تغيير سياسي، وكل خطوة نحو المواجهة قد تتحول بسرعة إلى أزمة إقليمية مكلفة.
وفي الوقت نفسه، تكشف هذه المبالغات عن تناقض داخلي: نظام لجأ للقمع لضمان السيطرة، لكنه في الساحة الدولية أكثر عرضة للضغوط. وفقدان الشرعية يقلل من مرونته، وأي تراجع واضح قد يُفسر داخليًا على أنه ضعف، لذلك يجب على طهران الموازنة بين التفاوض وتصعيد استعراض القوة، وهي توليفة هشة تجعل الدبلوماسية أكثر صعوبة.
الغرب بعد الاحتجاجات.. والتفاوض مع نظام مستبد
رغم أن المفاوضات في مسقط كانت مباشرة بين إيران والولايات المتحدة، فإن انعكاساتها تُقاس في كامل الفضاء السياسي الغربي من أميركا إلى أوروبا.
فقد غيّر قمع الاحتجاجات النظرة الغربية: لم تعد القضية مجرد السيطرة على البرنامج النووي، بل التعامل مع نظام مستعد لاستخدام "العنف العاري" للبقاء.
وينتج عن ذلك هاجسان متضادان: من جهة، ضرورة منع تصعيد الأزمة والحرب، ومن جهة أخرى، الخوف من أن أي انفراج اقتصادي يعزز آلة القمع الداخلية.
وهذا الثنائي يجعل من مسقط ساحة لتوازن سياسي دقيق: لا ضغط زائد يقود للصراع، ولا تنازل كبير يفسر كـ "إنقاذ للنظام".
وأميركا بدورها تلجأ للمبالغة: في تصوير تهديد إيران ولتبرير الضغوط، وفي عرض الاستعداد العسكري للحفاظ على الردع. لكن بعد الاحتجاجات، تُقرأ هذه المبالغات بحساسية أكبر، لأن أي قرار خاطئ قد يكون له تداعيات أخلاقية وسياسية جسيمة.
شراء الوقت أم إعادة إنتاج الأزمة؟
الأرجح في هذا السياق ليس اتفاقًا شاملاً ودائمًا، بل اتفاقات محدودة ومؤقتة لشراء الوقت: الغرب لمنع القفز النووي والحد من خطر الحرب، وإيران لتنفس اقتصادي واستعادة أدوات السيطرة بعد القمع.
ولكن الأهداف لا تتوافق بالضرورة، مما يجعل المفاوضات هشة. حتى إذا تحقق اتفاق محدود، سيظل السؤال قائمًا: هل سيقلل فعليًا من التوتر، أم يتيح استمرار القمع بتكلفة أقل؟
الدبلوماسية عند عتبة خط أحمر أخلاقي وسياسي
تختبر مفاوضات مسقط قدرة الدبلوماسية على التغاضي عن واقع داخلي لنظام، ومتى تتحول من أداة للحد من الأزمة إلى جزء من إنتاجها.
والخطر الأساسي ليس المبالغة في القوة العسكرية، بل اندماج الدبلوماسية مع منطق القمع. إذا أصبحت المبالغات العسكرية والأمنية، سواء من طهران أو الغرب، أساسًا لاتخاذ القرارات، ستقصر المسافة بين "حرب الروايات" و"الحرب الحقيقية".
ولم تكن مسقط إذًا مجرد مكان للتفاوض، بل نقطة محورية للإجابة عن السؤال: هل الدبلوماسية ستحد من الأزمة أم تؤجلها فحسب؟