وخلال الشهر الأخير، تعرّض عدد كبير من الكادر الصحي لمضايقات جسيمة من قِبل السلطة بسبب أدائهم واجباتهم المهنية. وبحسب التقارير، فقد اعتُقل ما لا يقل عن 30 طبيبًا وممرضًا، وأفراد آخرون من الكادر الصحي بسبب علاج الجرحى.
كما أُثيرت في بعض التقارير مخاوف من احتمال إصدار أحكام إعدام بحق بعض أفراد الكادر الصحي المعتقلين، بالنظر إلى الاتهامات الموجّهة إليهم.
وما يلي هو تقرير سردي لصحافي داخل إيران، يستند إلى روايات سمعها من كادر صحي في عدة مدن إيرانية.
يقدّم هذا التقرير صورة واضحة لـ 36 ساعة، من الثامنة مساء الخميس 8 يناير (كانون الثاني) حتى الثامنة صباح السبت 10 يناير.
موقف سيارات تحت الرصاص
أظهرت مقاطع فيديو أنه في يوم الخميس 8 يناير (كانون الثاني) الماضي، وعند الساعة 10:30 مساءً، موقف سيارات في مجمّع سكني بمدينة فرديس؛ وأصوات إطلاق النار تُسمع من كل الجهات. أرضية المكان مغطّاة بالجرحى، ويقوم طبيب بإجراء إنعاش قلبي لشاب أُصيب برصاصة في بطنه، فيما يقدّم زميلاه وزوجته إسعافات لبقية المصابين.
وفتاة في العشرين من عمرها، بعينين مفتوحتين وملفوفة ببطانية، ترقد على الأرض قرب أحد أعمدة الموقف وبجانب سيارة، وقد فارقت الحياة. والدها يبكي فوق رأسها وينادي اسمها متوسّلاً أن تعود معه إلى البيت. وبعد قليل يُسمع صوت الأم الثكلى التي وصلت لتوّها إلى المكان.
وكانت كمية الدماء المسفوكة على الأرض كبيرة إلى حدّ أن أحد السكان اضطر لغسل أجزاء من الساحة بخرطوم ماء.
وظهر نحو عشرة جرحى آخرين ممدّدون على الأرض على مسافات قريبة، يتلقّون محاليل أو مسكنات. اثنان منهم بلا مرافقين. أحدهما رجل مسنّ يستند نصف جالس إلى الجدار، كأنه في عالم آخر، ولا ينتبه إلا حين يناديه الطبيب: «حاجّي، هل تحتاج شيئًا؟» فيهزّ رأسه نافيًا.
لحظة ينعكس ضوء دوّار سيارة دورية لقوات القمع في الساحة، فيخفت همس الجمع غريزيًا، ويتبادل الجميع نظرات الخوف داعين إلى الصمت. أمّ الشابة المتوفاة كانت آخر من كتم أنينها.
وتتوقف السيارة قرب مدخل المبنى، وتُسمع أصوات نزول عناصر الأمن وحديثهم. الأنفاس محبوسة في الصدور، وكأن كل شخص يسمع خفقان قلبه.
وتمرّ 90 ثانية ثقيلة، ثم يعود العناصر إلى السيارة بعد أن لم يروا أو يسمعوا شيئًا، ويبتعد ظلّ الضوء الدوّار تدريجيًا.
ويحمل ثلاثة أشخاص جثمان الفتاة الملفوف بالبطانية ويضعونه في المقعد الخلفي لسيارة.
ولم تنجح عملية الإنعاش للشاب المصاب في بطنه، وفُقد شاب آخر.
الهواتف ترنّ من داخل الأكياس
يقول طبيب طوارئ في أحد مستشفيات مدينة إيرانية إنه منذ فجر الجمعة 9 يناير، الساعة 2 فجرًا؛ نُقلت إلى مستشفاه جثامين 59 متظاهرًا. اثنان قُتلا بإطلاق نار مباشر على الرأس، والبقية أصيبوا غالبًا في الصدر والبطن.
كانت الجثامين، وتحت إشراف عناصر الأمن وبعجلة شديدة- وكثير منها لا يزال بملابسه- تُوضع في أكياس بلاستيكية خاصة بالوفيات وتُنقل تباعًا إلى المشرحة.
ويضيف الطبيب أن رنين الهواتف المحمولة لهؤلاء القتلى كان يُسمع من داخل الأكياس البلاستيكية؛ وعلى الطرف الآخر كانت عائلات قلقة تبحث عن أي خبر عن ذويها.
وخلال ذلك شاهد الممرضون والأطباء المناوبون- بعيون دامعة- مشهدًا، يقول الطبيب، يستحيل أن يُنسى.
وينقل أحد زملائه رواية أخرى عن المذبحة، نقلاً عن مدير المركز الوحيد المتخصص بالجراحة الخاصة في تلك المدينة: إذ نُقلت إلى هناك جثامين 50 متظاهرًا، غالبيتهم قضوا بإصابات رصاص في الصدر والبطن.
مواجهة غير متكافئة بين العيون و"الخرطوش"
يفيد طبيب طوارئ في مستشفى بمدينة أخرى بوقوع قرابة 60 إصابة بطلقات خرطوش، يوم الجمعة 9 يناير، الساعة 8 مساءً؛ نصفها إصابات في العين، والبقية في الصدر والركبتين والمنطقة التناسلية. حالات إصابة العين يجب تحويلها فورًا إلى مستشفيات فائقة التخصص.
وكان إطلاق الخرطوش عمدًا على عيون وأجساد المتظاهرين قد سُجّل أيضًا عام 2022 خلال احتجاجات «المرأة، الحياة، الحرية»، لكن عدد إصابات العين هنا- من حيث الشدة والاتساع- غير قابل للمقارنة بما سبق.
وبحسب مصادر مستقلة، راجع نحو 7 آلاف شخص مصابين بإصابات عينية مركز «نور» الخاص لطب العيون في طهران. كما تشير مصادر موثوقة إلى مراجعة قرابة 700 شخص لمستشفيي فيض وميلاد في أصفهان بسبب إصابات خرطوش في العين، وللأسف كانت أكثر من نصفها إصابات ثنائية العين.
ويشير الطبيب إلى أن نمط إصابات الخرطوش- خصوصًا في العينين والمنطقة التناسلية- تكرّر كما ذكره عدة أطباء من مناطق مختلفة في البلاد، ما يدل على أمرٍ مشترك وتعليمات عامة لم تُصمَّم لتفريق المتظاهرين، بل لإحداث عاهات دائمة وزرع صدمة في اللاوعي الجمعي للمجتمع.
المستشفيات تحت سيطرة العناصر
يقول طبيب اختصاصي عظام إنه منذ مساء الخميس 8 يناير أُجريت 28 عملية جراحية عظمية لجرحى أصيبوا بالرصاص الحي. معظم الطلقات أصابت الفخذ والحوض، مع بعض الحالات في عظام الساق.
وبحسب ملاحظاته، كان حضور عناصر الأمن ظاهرًا في أرجاء المستشفى كافة، حتى خلف أبواب غرف العمليات.
ويروي طبيب آخر من مستشفى في طهران عن اجتماع دام ساعة واحدة بين عناصر الأمن ومدير المستشفى و«المترون» لتوجيههم إلى تسليم قوائم بأسماء الجرحى إلى الأجهزة الأمنية ليلة 9 يناير.
ويصف الطبيب الحالة النفسية المضطربة والمتناقضة للكادر الطبي بعد صدور هذا الأمر، والوقوع في مفترق طرق أخلاقي، حيث تتداخل الحدود بين الأخلاق وحفظ الحياة.
فمحاولة حماية هوية الجرحى كانت مقامرة خطرة على حياتهم وحياة الكادر وحتى عائلاتهم، لكن القسم المهني يفرض تقديم صحة وهوية المرضى كأولوية. والإجبار على مخالفة هذا الواجب سبّب ضغطًا نفسيًا وإحساسًا بالاشمئزاز الذاتي لدى كثيرين.
ومع ذلك، توجد تقارير عديدة عن مقاومة الكادر الطبي. فقد عالج اختصاصي طب الطوارئ في أحد مستشفيات "مشهد" الجرحى دون تسجيل بياناتهم وبشكل إسعافي قدر الإمكان. كما وُجدت تقارير مماثلة عن علاج إصابات العين في مستشفى بطهران. وتشير تقارير من غرف عمليات مستشفى الزهراء في أصفهان إلى مقاومة الطواقم لمنع كشف هويات الجرحى ما أمكن.
صمود الكادر الطبي
فيما تُعدّ كل هذه الوقائع- من عسكرة المستشفيات وترهيب الجرحى ومنعهم من المراجعة إلى مضايقة واعتقال الأطباء- أمثلة صارخة على الحرمان المتعمّد من العلاج، فإن ما جرى ويجري في غرف العمليات ليس مجرد قمع احتجاج؛ إنه إعلان موت الحياد الطبي.
فالمستشفى، الذي ينبغي وفق الاتفاقيات الدولية أن يكون منطقة آمنة ومحايدة لإنقاذ أي إنسان بغضّ النظر عن معتقده، تحوّل إلى امتداد لمراكز الاحتجاز.
ولا يقتصر الانتهاك المنهجي للحياد الطبي في إيران اليوم على اعتقال الكادر الصحي؛ بل هو «إرهاب علاجي». فعندما يفضّل الجريح إجراء جراحة في موقف سيارات مظلم خوفًا من الاعتقال بدل غرفة عمليات مجهّزة، فهذا يعني أن السلطة نجحت في تدمير مفهوم الأمن العلاجي بالكامل.
وفي المحصلة، سيؤدي هذا الضغط المنهجي وتجريم فعل العلاج إلى أزمة كبرى مستقبلاً، إذ يقوّض المستشفى بوصفه آخر حصن للثقة الاجتماعية، ويزرع بذور انعدام ثقة عميق في اللاوعي الجمعي.
وحين يُقابَل التعاطف الطبي بتهمة «المحاربة»، تصبح سلامة صحة المواطنين مهدَّدة لعقود. هذا هو الإرث الأشدّ فداحة لموت الحياد الطبي في إيران.