وفي بيان صدر يوم الأربعاء 18 مارس (آذار)، أشارت القوات الإسرائيلية إلى مقتل خطيب خلال العملية الأخيرة في طهران، ووصفت وزارة الاستخبارات الإيرانية بأنها "إحدى الآليات الأساسية للقمع والإرهاب" في إيران.
وأضاف البيان أن خطيب "لعب دورًا بارزًا في توجيه الاعتقالات وقتل المحتجين، وكذلك في وضع التقديرات الميدانية خلال الاحتجاجات الداخلية الأخيرة في إيران"، بالإضافة إلى قمع انتفاضة مهسا جينا أميني.
وأكد الجيش الإسرائيلي أن خطيب كان "يتولى قيادة الأنشطة الإرهابية لوزارة الاستخبارات الإيرانية ضد أهداف إسرائيلية وأميركية حول العالم، وضد أهداف داخل الأراضي الإسرائيلية".
من هو إسماعيل خطيب؟
لم يكن وزير الاستخبارات في الحكومتين الثالثة عشرة والرابعة عشرة مجرد وزير، بل كان من الشخصيات القليلة التي امتلكت خبرة عملية طويلة في وزارة الاستخبارات، وجهاز استخبارات الحرس الثوري، وحماية السلطة القضائية، ومكتب المرشد، وحتى مؤسسة "آستان قدس رضوي".
هذا الموقع الفريد جعله أبرز "نقطة اتصال" بين مختلف الأجهزة الأمنية والاستخباراتية للنظام الإيراني.
ويمثّل مقتله أكثر من مجرد اغتيال فردي؛ فهي ضربة قوية لآلية التنسيق والتوازن الداخلي في الجهاز الأمني والاستخباراتي للنظام الإيراني.
مسيرته وحياته العملية
ولد سيد إسماعيل خطيب عام 1961 في قائنات خراسان الجنوبية، وكان رجل دين شيعيًا انضم إلى الحرس الثوري في أوائل الثمانينيات. انضم إلى الخدمة على يد قائد الحرس الثوري آنذاك، محسن رضائي، ولعب دورًا مباشرًا في قمع المعارضين، خصوصًا في المناطق الكردية.
تعرض لإصابات خلال حرب إيران والعراق، بينما قُتل شقيقه وصهره في الحرب.
بعد تأسيس وزارة الاستخبارات، انتقل خطيب إليها، وفي التسعينيات عمل في إدارة استخبارات قم لمراقبة المعارضين داخل الحوزة العلمية. ثم وصل إلى حلقات أكثر سرية من السلطة: حماية مكتب المرشد (2009-2011)، رئاسة مركز حماية المعلومات في السلطة القضائية (2012-2019)، مستشار أعلى وقيادة الحماية في مجموعة "آستان قدس رضوي" (مؤسسة دينية إيرانية تابعة للمرشد مباشرة) (2019-2021).
هذه التنوعات الوظيفية منحت خطيب صفة رئيسية: وصول إلى أعلى مستويات السلطة وثقة دائمة من القيادة.
وفي عام 2021، عُيّن خطيب وزيرًا للاستخبارات في حكومة الرئيس السابق، إبراهيم رئيسي، بدعم مباشر من علي خامنئي، رغم بعض المقاومة الداخلية، مما أظهر أن النظام كان يبحث عن شخصية "عملية-أمنية" كاملة وليس مجرد مدير تكنوقراطي.
تركيزه على العمليات الخارجية والسيبرانية
تزامنت فترة وزارة خطيب مع تغيير استراتيجية وزارة الاستخبارات، حيث ركز على مفهوم "الحرب المركبة" ووجه الوزارة نحو العمليات الخارجية، والهجمات السيبرانية، وزيادة التنسيق مع فيلق القدس.
وفي هذه الفترة، توسع التعاون مع الشبكات الإقليمية، وبرز دور الوزارة في الهجمات السيبرانية، بما في ذلك هجمات على ألبانيا وبرامج الفدية.
لذلك فرضت الولايات المتحدة عليه عقوبات في عام 2022.
وقبل أيام من اغتيال زعيم حماس، إسماعيل هنية، قال خطيب: "لقد دمّرنا شبكة الموساد"، وهو تصريح أصبح الآن يحمل بعدًا ساخرًا بعد مقتله.
لماذا يُعدّ القضاء على خطيب ذا أهمية استراتيجية؟
كان خطيب عمليًا يلعب دور "الميزان" بين الأجهزة الأمنية المتنافسة، بما في ذلك وزارة الاستخبارات، واستخبارات الحرس الثوري، وحماية السلطة القضائية والحراسات الخاصة، وكان الشخص الوحيد الذي خفّض فعليًا الصراع التاريخي بين وزارة الاستخبارات والحرس الثوري.
ومقتله يخل بهذا التوازن ويزيد احتمال تصاعد المنافسة الخفية بين وزارة الاستخبارات وجهاز استخبارات الحرس الثوري.
ومن الناحية التنظيمية، وزارة الاستخبارات، التي طالما كانت تحت ظل استخبارات الحرس الثوري، تضعف أكثر بفقدان هذا "الجسر" الذي امتلك خبرة في عدة مؤسسات رئيسية لقمع المعارضة في إيران، وسيكون من الصعب العثور على شخص يملك شبكة العلاقات نفسها والخبرة العملياتية المتعددة في ظل الضربات الشديدة الأمريكية والإسرائيلية.
وعلى المستوى العملي، من المحتمل أن تتأثر تنسيقات الشبكات الخارجية ومكافحة التجسس؛ رغم أن فيلق القدس ربما يسعى لملء هذا الفراغ.
ويأتي مقتل خطيب في سياق نمط مماثل استهدف عدة قادة عسكريين رفيعي المستوى مثل رئيس منظمة "الباسيج"، غلام رضا سليماني، الذي قُتل، حيث تهدف إسرائيل ليس فقط إلى إضعاف القوة العسكرية، بل إلى تدمير "سلسلة القيادة واتخاذ القرار الأمني" على مستويات مختلفة.
الرسالة السياسية والنفسية: نهاية الحصانة
إن البعد الأهم لمقتل إسماعيل خطيب هو رمزيته. فقد كان وزير الاستخبارات المسؤول الرئيسي عن كشف وصد التهديدات ضد النظام الإيراني، ومقتله يرسل رسالة إلى مؤسسات الحكم مفادها أن حتى أعلى مستويات الأجهزة الأمنية ليست محمية من الهجمات.
وبالنسبة للنظام، يشكّل ذلك تحذيرًا خطيرًا حول ضعف بنيته الأمنية، وللمجتمع، دليلاً على عمق نقاط ضعف الأمن.
وأما بالنسبة لإسرائيل والغرب، فإن القضاء على خطيب يؤكد إمكانية مواصلة العمليات المستهدفة داخل قلب إيران، ويُظهر أن الحرب قد وصلت إلى "عقل الاستخبارات" وهندسة القمع الداخلي للنظام الإيراني وما زالت مستمرة.