وفي نقاش الحرب، غالبًا ما يقع الرأي العام بين قطبين مبسطين: إما الانضمام الكامل للحرب، أو المطالبة الفورية بإيقافها. لكن الواقع في بعض الحالات المأساوية أكثر تعقيدًا من هذا التبسيط.
والمأساة في الحرب الحالية بين النظام الإيراني والولايات المتحدة وإسرائيل هي أن أيًا من هذين الخيارين لا يصف وحده أبعاد الفاجعة القائمة، لأن مسألة إيران ليست مجرد الحرب؛ بل العلاقة بين الحرب ونظام سبق وأثبت أنه مستعد لقمع المجتمع بأبعاد غير مسبوقة عندما يشعر بالتهديد.
وحتى لو كنت موافقًا على الحرب، فلا داعي لرؤيتها بشكل رومانسي. الحرب، حتى إذا بدأت بشعار الحرية، دائمًا ما تأتي برائحة الموت والدمار وعدم الاستقرار. وقد كتبت سابقًا عن المعارضة للحرب وما سميته "الديمقراطية بالقصف"، ومع ذلك، لا يمكن الاكتفاء بقول "الحرب سيئة" للراحة النفسية في الحرب الحالية.
عندما يتحول النظام إلى آلة قتل
في كثير من الدول، المعارضة للحرب تعني الدفاع عن حياة وأملاك وحريات الناس، لكن في حالة إيران، الأمر ليس بهذه البساطة.
وظل النظام الإيراني لسنوات يمثل أكبر تهديد لحياة الناس. وعندما يصبح النظام عاملاً مباشرًا في قتل المواطنين، لا يمكن الحكم على الحرب والسلام باستخدام الأطر الأخلاقية والسياسية التقليدية.
الدفاع عن حرب ضد النظام الإيراني التي قد تُشبه التدخل الإنساني ليس بدافع الولع بالقوى الأجنبية، ولا بدافع الوهم بشأن نواياهم.
والنظام الذي استجاب لمليوني احتجاج في شوارع إيران بإبادة ما يقرب من 40 ألف محتج عُزّل في غضون ليلتين فقط، قد ألغى نفسه من أي ادعاء للشرعية الأخلاقية.
وهنا لم يعد الحديث عن "القمع الداخلي" المعتاد أو "الخلاف السياسي" الحاد؛ ما حدث جريمة ضد الإنسانية.
وفي مواجهة نظام يستخدم العنف المميت بشكل متصاعد وتاريخي ضد المواطنين، لا يمكن التحدث بلغة الحياد السياسي أو استخدام الأطر المفاهيمية المعتادة.
وفي هذا السياق، الدفاع عن التدخل ليس بدافع الحرب، بل ينبع من مأزق تاريخي يُحرم فيه الناس من كل طرق التغيير السلمي.
وعندما يتم قمع الاحتجاج المدني بشكل غير مسبوق، وكل مطالبة تواجه السجن والتعذيب والإعدام، من الطبيعي أن يصل جزء كبير من المجتمع إلى استنتاج أنه لا يمكن النجاة دون إضعاف آلة القمع عبر تدخل عسكري خارجي.
مأزق التغيير السلمي والواقع الميداني للحرب
إسرائيل والولايات المتحدة لم تدخل الحرب لأسباب إنسانية، بل لتحقيق أهداف أمنية وجيوسياسية. وقد لا تتوافق أهدافهم بالضرورة مع مصالح الشعب الإيراني، ومع ذلك، يرى مؤيدو الحرب أن استهداف المراكز العسكرية والحكومية قد يضعف أركان القمع وقد يسمح للشعب بتحديد مصيره.
ومن المهم التمييز بين نوايا المعتدين والنتائج الواقعية لأفعالهم. حتى لو لم تكن نواياهم إنسانية، فإن تأثيرات الهجمات على الهيكل القمعي يمكن أن تكون حاسمة.
والواقع الحالي يؤكد أن هذا السيناريو لم يتحقق بالكامل بعد. فعلى الرغم من مقتل علي خامنئي وبعض كبار القادة، وتدمير جزء من بنية القمع، فإن الآلة القمعية لا تزال تعمل.
والاعتقاد أن قتل القائد أو تدمير بعض المراكز سيؤدي تلقائيًا إلى انهيار النظام الإيراني غير صحيح. فالنظام هو شبكة معقدة من المؤسسات الأيديولوجية والأمنية والاقتصادية والإعلامية، أعيد إنتاجها على مدى عقود.
حتى الضربات القاسية قد لا تؤدي إلى الانهيار الفوري، لكن أيضًا من الخطأ الاعتقاد أنه لم يحدث أي تغيير في توازن القوى.
ضرورة التمييز بين هيكل القمع وحياة المجتمع
هناك حقيقة مروعة أخرى، وهي مقتل المدنيين، بمن في ذلك الأطفال. فقد أدى الهجوم على مدرسة للبنات في ميناب بصواريخ أميركية في اليوم الأول للحرب إلى مقتل أكثر من 110 تلميذات وما يقرب من 30 معلمًا. هذا ليس مجرد خطأ حرب، بل مأساة إنسانية مطلقة.
وفي حالات أخرى، فقد المدنيون حياتهم بالقرب من المراكز الحكومية. وقد تضررت المستشفيات ومراكز الطوارئ، كما أن الهجمات على المباني السكنية ومستودعات الوقود نتج عنها آثار بيئية وخطر طويل الأمد للأجيال القادمة.
والحد الأخلاقي للدفاع عن الحرب واضح: يجب أن تكون هناك فروق بين هيكل السلطة والمجتمع. حيث يُهمل حياة المدنيين، يُضر أساس المبرر الأخلاقي.
ويمكن تأييد ضرب القتلة والدفاع عن المدنيين في الوقت نفسه. هذان الموقفان ليسا متناقضين، بل الطريقة الوحيدة للحفاظ على الاتساق الأخلاقي خلال الحرب.
فخ وقف إطلاق النار: عندما يعني السلام القمع المتجدد
هناك جانب آخر: وهو رفع شعارات مناهضة الحرب مقابل صعوبة الإجابة عن السؤال: إذا انتهت الحرب دون إسقاط النظام الإيراني، ما الذي سيواجه الشعب؟
وأظهرت التجربة أنه بعد الهدنة، تم اعتقال الآلاف وتكثف القمع. النظام الإيراني يظل جريحًا، لكنه حيوي، والشعب وحده يواجه غضب النظام.
والسلام دون ضمان أمن وحياة الناس ليس مجرد توقف القصف، بل هو نقل للعنف من السماء إلى الشوارع والسجون والإعدام.
ولذلك، يكون شعار مناهضة الحرب أخلاقيًا ومسؤولاً فقط إذا تناول تبعات ما بعد وقف إطلاق النار وحماية الناس.
مأساة العجز: الاختيار بين الأسوأ والأسوأ
هذا الموقف مأساوي، وليس نصرًا. من يصل إلى هذا الاستنتاج ليس محبًا للحرب، بل بسبب إغلاق كل طرق أخرى، ومع تقدير واقعي لخطر النظام الإيراني بعد الحرب، يفكر في خيار مؤلم قد يوقف آلة القتل.
وفي المجتمع الذي حاول التغيير السلمي مرارًا واستجاب النظام بالعنف، لم يعد التعامل مع الحرب مسألة نظرية فقط، بل نتج عن تجربة حقيقية من العجز التاريخي.
واليوم، تقف إيران في نقطة حيث لا يختار الشعب فقط بين الحرب والسلام، بل بين أشكال مختلفة للبقاء والمعاناة وفرص النجاة. في هذه الحالة، تُقاس المسؤولية الأخلاقية والسياسية لأي موقف بقدرته على رؤية جميع أبعاد معاناة الناس، وليس بالشعارات العامة.