وتعود هذه الرواية إلى أحد المحتجين الشباب من دزفول، الذي شارك في احتجاجات يومي الخميس والجمعة 8 و9 يناير، ويعيش الآن متخفيًا، وهو شاهد عيان على مقاومة الأهالي والقمع الدموي الذي تعرضوا له، ويقول إن أهالي المدينة «شهدوا مساء الجمعة جريمة لا أستطيع وصفها لكم بالكلمات».
وبحسب قوله، خرج عدد كبير من النساء والرجال والفتيات والفتيان، مساء الخميس 8 يناير، إلى شوارع دزفول منذ الساعة الثامنة ليلًا، وبسبب كثافة الحشود فقدت قوات الأمن السيطرة على الشوارع، وأضاف: «بعد نصف ساعة من الاشتباك المباشر بالأيدي مع قوات القمع، فرّوا، وأصبحت كل شوارع المدينة بيد الناس. كان حجم الحشود غير مسبوق».
ويضيف أن جميع الشوارع الرئيسة في دزفول، من حي سياه بوشان في وسط المدينة، وكوي مدرس في الشرق، وزيباشهر في الشمال، ومنطقة خلف مصلى صلاة الجمعة في الجنوب، وشارع خميني الذي يعد الشارع الرئيس للمدينة، كانت يوم الخميس مليئة بالمتظاهرين، و«لم تكن قوات القمع تجرؤ على البقاء في مواجهة الناس».
ويقول هذا المحتج الشاب إن الهتافات كانت في الغالب دعمًا لـ «ولي العهد» السابق، وكان الناس يهتفون: «هذه هي المعركة الأخيرة.. بهلوي سيعود»، «الموت للديكتاتور»، «الموت لخامنئي»، و«لا غزة ولا لبنان.. روحي فداء لإيران».
وبحسب قوله، استمرت تظاهرات الخميس 8 يناير حتى الساعة 11 ليلاً، ثم تفرّق الناس تدريجيًا في معظم الأماكن وعادوا إلى منازلهم.
ويضيف أن إطلاق النار ليلة الخميس كان في معظمه بالخرطوش والغاز المسيل للدموع، إلا أن شخصًا واحدًا على الأقل قُتل تلك الليلة: «بحسب ما أعلم، قُتل محمد أرقش، وهو من أقارب سعيد إسماعيلي المصارع الأولمبي، أمام قاعدة للباسيج في حي سياه بوشان. أحد عناصر الباسيج، ويُدعى مجيد شيخ ليوسي، أطلق النار عليه من سطح القاعدة. كما أُصيب عدة أشخاص في المكان نفسه».
حمّام دم
بحسب رواية هذا الشاهد، شهدت دزفول، يوم الجمعة 9 يناير، كما باقي المدن الإيرانية التي كانت مسرحًا للاحتجاجات، حملة قتل واسعة نفذتها قوات القمع إلى أقصى حد.
ويقول إن الدعوة للتظاهر كانت عند الساعة الثامنة مساءً، لكن قوات القمع انتشرت منذ الساعة الخامسة عصرًا في الشوارع التي شهدت تجمعات ليلة الخميس: «هذه القوات لم تكن موجودة في الشوارع الليلة السابقة. كانوا من القوات البرية للحرس الثوري، يرتدون الزي العسكري وأقنعة، وكلهم يحملون بنادق كلاشينكوف ويتنقلون بسيارات تويوتا هايلوكس بيضاء. إضافة إلى ذلك، تمركز قناصة على أسطح معظم المباني المرتفعة، وكانوا يطلقون النار فقط على رؤوس الشبان».
وبحسب قوله، ما إن تجمع الناس حتى بدأ إطلاق النار. وكان تقاطع «قاضي» في حي سياه بوشان، الذي تسكنه غالبية من البختياريين، أحد أبرز بؤر المقاومة والمجزرة: «الاشتباكات والقتل الأساسي كانا عند تقاطع قاضي. هناك مبنى مرتفع متعدد الطوابق، ورأيت أربعة قناصة مسلحين ببنادق قنص يطلقون النار من أعلاه على الناس، وكانوا يستهدفون الرؤوس فقط».
ويصف شدة إطلاق النار قائلاً: «كان صوت الرصاص كثيفًا وتشعر كأنك في ساحة حرب. كأن 500 سلاح تطلق النار في آنٍ واحد».
ويضيف أن القوات الموجودة في الشارع كانت تطلق النار بشكل عشوائي ومتواصل على الناس: «كنت هناك وشاهدت المجزرة. لم يطلقوا حتى رصاصًا في الهواء، بل أطلقوا النار مباشرة على الناس. واحد أصيب في ساقه، آخر في بطنه، وآخر في كتفه أو يده. لكن القناصة على الأسطح كانوا يستهدفون الرؤوس بدقة. وبحسب تقديري وتقدير عدد من أصدقائي الشهود، قُتل في ذلك المكان وحده ما لا يقل عن 100 شخص».
إطلاق النار على الجرحى للتأكد من قتلهم
يقول هذا المحتج إنه شاهد بنفسه إطلاق النار على الجرحى لإعدامهم: «عندما فررنا من كثافة إطلاق النار في تقاطع قاضي واحتمينا خلف جدران الأزقة الفرعية، رأيت بعيني عناصر من الحرس الثوري الملثمين يقفون فوق الجرحى الممددين على الأرض، ويطلقون عليهم رصاصات الرحمة».
وبحسب قوله، في مجزرة عصر وليلة الجمعة في دزفول «لم يُستخدم الغاز المسيل للدموع إطلاقًا، بل كان إطلاق النار المباشر فقط».
كما تشير شهادات عديدة من مختلف المدن إلى أن قوات القمع لم تقم باعتقال المتظاهرين، في تلك الليلة، حتى عندما كانوا يستسلمون أو يسقطون جرحى.
ويؤكد شاهد دزفول هذا النمط قائلاً: «ليلة الجمعة لم يُعتقل شخص واحد. كل من وقع في أيديهم، سواء كان جريحًا أو سليمًا أو مستسلمًا، أطلقوا عليه النار. لم يسمحوا لأحد بالاقتراب من شارع خميني، وحتى من كان يمر في الأزقة الفرعية كانوا يطلقون عليه النار. ارتكبوا مجزرة حقيقية في دزفول. التقديرات التي وصلتنا تشير إلى أكثر من 200 قتيل».
ويضيف أن حي سياه بوشان لم يكن سوى إحدى نقاط الاشتباك: «كانت هناك مجزرة أيضًا في ساحة الساعة، وكذلك في كوي مدرس، وزيباشهر، ومنطقة خلف مصلى صلاة الجمعة».
وأشار إلى شجاعة أهالي دزفول قائلاً: «رأيت بطولات وتضحيات كبيرة من شباب دزفول. نساءً ورجالاً، لم يكن أحد خائفًا. المشكلة الوحيدة أن المعركة كانت غير متكافئة، فالناس كانوا عُزّل في مواجهة الرصاص».
وبحسب قوله، قُتل بعض الناس في الشوارع، وآخرون بعد نقلهم إلى المستشفى أو أثناء محاولات الفرار: «إضافة إلى الجرحى الذين نُقلوا إلى المستشفى واستشهدوا هناك، كانت هناك قرابة 30 جثة ممددة قرب تقاطع قاضي حتى نهاية الليل، ثم حمّلوها في شاحنات وبيك أب ونقلوها».
المستشفى كان ممتلئًا بالجثث
يقول هذا الناجي من المجزرة إنه نقل أحد أصدقائه الجرحى إلى مستشفى غنجويان قرب تقاطع قاضي عند الساعة التاسعة مساءً: «كان الوضع فوضويًا. الطوارئ، الصالات، وحتى ساحة المستشفى كانت مليئة بالجثث والجرحى. مشهد مرعب، وكل شخص كان ينقل الجرحى أو الجثث بأي وسيلة ممكنة».
وبحسب قوله، كان هناك «نحو 100 جثة» في المستشفى. ويضيف: «إلى جانب محمد أرقش الذي قُتل ليلة الخميس، كنت أعرف شخصيًا حميد شاكريان، عظيم زارع، وإبراهيم حسينوند، وجميعهم من قتلى ليلة الجمعة. الطاقم الطبي كان مصدومًا ويبكي مما يشاهده».
ويشير إلى وجود عناصر أمنية مسلحة داخل ثلاجة الموتى: «كان هناك مسلحون بملابس مدنية داخل المشرحة، يمنعون أي شخص من الدخول أو التصوير. كانت الجثث كثيرة لدرجة أن المشرحة لم تتسع لها، فكانت ممددة على الأرض جنبًا إلى جنب».
ويضيف أنه تمكن من رؤية قائمة بأسماء القتلى: «رأيت رئيس حراسة المستشفى ينظر إلى قائمة بأسماء القتلى. اقتربت بحجة السؤال، ورأيت أن العدد في الصفحة المفتوحة وصل إلى 94 قتيلاً».
ويؤكد أن هذا الرقم يخص مستشفى واحدًا فقط حتى الساعة العاشرة مساءً، بينما كان إطلاق النار مستمرًا حتى منتصف الليل، ولا تزال هناك جثث في الشوارع.
التنكيل بعائلات الضحايا
تفيد تقارير عديدة بابتزاز السلطات لعائلات القتلى لتسليم الجثث، وفي بعض الحالات اشترطت توقيع أوراق تُعرّف الضحية على أنه عنصر في "الباسيج".
ويقول هذا المحتج إن الأمر نفسه حصل في دزفول: «سلّموا الجثث تحت ضغط وتهديد شديدين، وأجبروا العائلات على التعهد بدفنها ليلاً، غالبًا بعد الساعة الثانية فجرًا، وبحضور أفراد العائلة من الدرجة الأولى فقط».
ويضيف أن الأوضاع الأمنية في دزفول لا تزال شديدة: «الوضع أشبه بحكم عسكري. منذ يوم السبت 10 يناير بدأت الاعتقالات، وتم اعتقال عدد كبير من الناس. الإنترنت عاد جزئيًا منذ ثلاثة أيام، لكنه بطيء جدًا، ولا يعمل إلا من الخامسة إلى الثامنة صباحًا بصعوبة، وبقية اليوم غير قابل للاستخدام».
ويختتم بالقول: «انشروا أخبار دزفول، فالناس تُركوا وحدهم. الجميع غاضبون ومستعدون، وينتظرون فقط أن تهاجم أميركا كي يتحركوا وينتقموا من الحرس الثوري».