"إيران إنترناشيونال"

أعلن مقرّ "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" في محافظة طهران عن إنشاء ما أسماه "غرفة مراقبة العفة والحجاب" بالتعاون مع مؤسسات تنفيذية، ونشر أكثر من 80 ألف عنصر مدرّب على الأمر بالمعروف في العاصمة؛ وهو رقم يعادل في حجمه البشري سعة ملعب آزادي الرياضي.

وفي الوقت نفسه، أفاد مستخدمون على شبكات التواصل الاجتماعي بمشاهدة حافلات شرطة الأخلاق مجددًا في عدد من مناطق طهران، كما وردت تقارير مماثلة من مدينتَي قم وأصفهان.
ورغم تأكيد المتحدثة باسم الحكومة، فاطمة مهاجراني، في مؤتمراتها الصحافية أنه "لم تُخصّص أي ميزانية لهذا المشروع" وأن "تجربة شرطة الأخلاق قد فشلت"، إلا أن روح الله مؤمن نسب، أمين مقر الأمر بالمعروف في طهران، تحدّث عن "مواجهة ذكية متعددة المستويات قائمة على البيانات" تهدف إلى رصد وتحليل السلوك الاجتماعي والإعلامي والافتراضي للمواطنين.
فهل عادت شرطة الأخلاق فعلاً، أم إنها عادت بوجه جديد وتسمية أكثر نعومة؟
القانون معلّق... والمراقبة في الميدان
ما زال القانون الإيراني يفرض الحجاب الإجباري، لكن واقع الشارع يقول شيئًا آخر.
ففي العاصمة، تتجوّل أعداد كبيرة من النساء والفتيات بلباس اختياري، بل إن بعض النساء يمررن عبر نقاط التفتيش في المطارات من دون حجاب من غير أن يتدخل أحد.
لكن هذه الصورة لا تنسحب على جميع المدن. ففي أصفهان لا تزال الرسائل النصية التحذيرية تصل إلى أصحاب السيارات، وفي قم وخراسان رضوي يزور عناصر المقر أماكن عمل النساء لتوجيه "تنبيهات".
ورغم أن قانون العفة والحجاب الجديد الذي أقرّه البرلمان الإيراني قد تمّ تعليقه بقرار من المجلس الأعلى للأمن القومي، فإن أجزاء منه تُنفّذ فعليًا: إغلاق المتاجر، تغريم أصحاب السيارات، طرد الموظفات غير المحجبات، ومنع الفنانين والرياضيين من النشاط العلني.
تعدد الأصوات في السلطة... وصوت واحد في المجتمع
داخل بنية النظام، لا يوجد إجماع حول كيفية التعامل مع مسألة الحجاب. فحكومة مسعود بزشكيان تقول إن "القسر لا يجدي نفعًا"، بينما يتحدث مقرّ الأمر بالمعروف عن "ثمانين ألف عنصر ميداني". أما البرلمان والأئمة فيطالبون بتشديد المواجهة، في حين أن المجتمع اختار طريقه بنفسه.
لقد أصبحت الحرية في اللباس واقعًا لا يمكن إنكاره، والنساء يمارسن نوعًا من العصيان المدني الهادئ، على غرار ما فعلته روزاباركس في حافلة ألاباما: رفضٌ هادئ للفرض والإكراه.
وبسلوكها اليومي، أوجدت النساء في إيران قانونًا غير مكتوب، لا تستطيع "غرفة المراقبة" ولا "شرطة الأخلاق" أن تقيّده.
شرطة الأخلاق لم تختفِ... بل غيّرت شكلها
لم تُلغَ شرطة الأخلاق ولم تعد رسميًا؛ بل أعادت إنتاج نفسها. فلم تعد هناك تلك الحافلات الصاخبة القديمة، بل حلّ محلها نظام أكثر هدوءًا وتخفيًا: إغلاق المحال، إرسال الرسائل، فتح الملفات، وتفعيل شبكات من "الآمرين بالمعروف" الذين لا يتمتعون بوضع قانوني واضح ولا حدود محددة لصلاحياتهم.
كل منظومة تسعى إلى التحكم في الحريات الفردية هي في جوهرها امتداد لشرطة الأخلاق، سواء كانت في الشارع أو خلف مكتب حكومي أو أمام شاشة مراقبة.
شرطة الأخلاق القديمة كانت رمزًا للعنف المكشوف، أما الجديدة فهي رمز للسيطرة الناعمة والمستترة، غير أن خطرها لا يقلّ عن سابقتها.
وبعد ثلاث سنوات على مقتل مهسا أميني، يعود النظام الإيراني إلى نقطة البداية بوجهٍ جديد. غير أن الخطر اليوم أعمق، لأن غموض القوانين يجعل من كل شخص "مأمورًا محتملًا": من الجار وصاحب العمل إلى سائق التاكسي ومستخدم الإنترنت. وعندما يُكلَّف الجميع بالمراقبة، لا يبقى أحد في مأمن.
لكن المجتمع الإيراني تجاوز اليوم مطلب "الحجاب الاختياري"، وأصبح يطالب بـ"اللباس الاختياري" وحرية أسلوب الحياة، وهو حقٌّ لا يمكن لغرفة مراقبة أو آلاف العناصر الميدانية أن تلغيه.
يمكن تعليق القوانين، لكن لا يمكن إيقاف المجتمع. يمكن خلق الخوف، لكن لا يمكن إعادة الناس إلى الوراء.
لم تعد "شرطة الأخلاق" مجرّد جهاز تنفيذي، بل أصبحت رمزًا لصراع بين منطقين: منطق التحكم والسيطرة مقابل منطق الاختيار والحرية.
أحدهما يسعى إلى إحياء الماضي، والآخر يعمل على صنع المستقبل.
وفي هذا الصراع، المنتصر ليس من يملك أدوات القمع الأقوى، بل من لم يفقد بعد إرادة العيش بحرية.
خلال السنوات الأخيرة، تزايدت المؤشرات على تآكل النظام الإيراني من الداخل، حيث أخذت بوادر الانهيار تتسلل إلى نسيج السلطة ومؤسساتها. وفي الوقت نفسه، يختبئ أركان النظام خلف شعارات "الأخلاق" و"العفة" و"القانون" لممارسة مزيد من الضغط على المواطنين.
وفي المقابل، يُظهر سلوك وأسلوب حياة عدد كبير من المسؤولين وأُسرهم نزعة فاضحة نحو الترف والتحرر من القوانين التي تُفرض بقسوة على الناس العاديين.
ومن أحدث الأمثلة الصارخة على هذا التناقض فيديو حفل زفاف ابنة علي شمخاني، أحد أبرز الشخصيات الأمنية المقربة من المرشد علي خامنئي.
الفيديو، الذي صُوّر في فندق فاخر في طهران، يُظهر العروس بفستان مكشوف الكتفين (دكولتيه) والمدعوين من دون الحجاب الإجباري، ما أثار موجة واسعة من الغضب الشعبي واتهامات بالنفاق داخل المجتمع الإيراني.
من الحجاب الإجباري إلى ترف النخبة الحاكمة
بالتزامن مع هذا الترف المفرط، أعلنت السلطات في العاصمة خطة لتجنيد عشرات الآلاف من العناصر الجديدة لتطبيق قواعد الحجاب الإجباري بصرامة أكبر- حيث أشارت بعض التقارير الإعلامية إلى رقم80 ألف عنصر إضافي- في خطوة لا تعني سوى مزيد من الرقابة والسيطرة على الشارع.
يزداد هذا التناقض وضوحًا عندما نتذكر مقتل مهسا أميني في سبتمبر (أيلول) 2022، والتي أشارت تقارير منظمات حقوقية ولجنة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة إلى أنها قُتلت نتيجة العنف أثناء احتجازها من قبل شرطة الأخلاق، ما فجّر احتجاجات شعبية شاملة وعمّق الفجوة بين الدولة والمجتمع.
لكن شمخاني ليس سوى حلقة في سلسلة طويلة من ملفات الفساد الأخلاقي والاقتصادي التي تطال العديد من المسؤولين الإيرانيين.
ومن بين القضايا المثيرة للجدل، إدانة رضا ثِقَتي، الرئيس السابق لدائرة الثقافة والإرشاد الإسلامي في محافظة جيلان، بمئة جلدة والنفي بعد فضيحة جنسية، وهي قضية حاول النظام التخفيف من وقعها بتوصيفها كـ"خطأ فردي" لتجنب المساءلة المؤسسية.
وفي الجانب الاقتصادي، تكررت التقارير عن صفقات مشبوهة ومنح أراضٍ بطرق غير قانونية، من بينها قضية منح أراضٍ قرب إحدى المدارس الدينية التابعة لرجل الدين البارز كاظم صديقي، والتي أدت في النهاية إلى استقالته- ما كشف مجددًا عن تداخل خطير بين السلطة والثروة.
تجسد هذه الحالات نمطًا واضحًا من أنماط الحكم في إيران: فالقانون يُستخدم كـ"عصا" على المواطنين، لكنه يتحول إلى "مظلّة حماية" للمقربين من النظام.
وفي حين أن الأنظمة السلطوية الأخرى قد تضطر أحيانًا إلى إقالة أو محاكمة المسؤولين المتورطين بالفساد، فإن ما يحدث في إيران هو "تدوير بلا تكلفة"، فالمسؤول لا يُعاقَب، بل يُنقل من وزارة إلى منصب استشاري، أو من مجلس إلى هيئة أخرى.
وتنبع هذه المقاومة للمساءلة من ثلاثة عوامل رئيسية:
1. شبكات الولاء الأمنية.
2. الخوف من فتح ملفات متبادلة بين الأجنحة المتنافسة.
3. كلفة انهيار متسلسل إذا تم الكشف عن الفساد بشكل موسع.
والنتيجة: حصانة عملية للمسؤولين، وانعدام ثقة هيكلي بين المواطنين والدولة.
ويكشف تاريخ الأنظمة المغلقة في القرن العشرين أن الانهيار غالبًا ما يبدأ من الداخل، لا بسبب الضغط الخارجي.
في رومانيا عام 1989، أشعل ترف عائلة تشاوشيسكو الثورة الشعبية.
في الفلبين عام 1986، أطاح الغضب من ثروة عائلة ماركوس بالنظام.
في تونس عام 2011، أسقطت شبكات الفساد لعائلتي بن علي وطرابلسي شرعية النظام.
وفي ألمانيا الشرقية، أدى كشف امتيازات الحزب والفساد المنهجي إلى انهيار جدار الخوف.
وفي إيران اليوم، تلعب فيديوهات مثل زفاف ابنة شمخاني الدور ذاته، إنها تكشف التناقض الذي يحاول النظام إخفاءه.
البعد الأخلاقي في نشر الفيديوهات الكاشفة
الذين يزعمون أن نشر هذه الفيديوهات "غير أخلاقي" يخلطون بين الحياة الخاصة والمصلحة العامة. فالمعنيون هنا شخصيات عامة، تدخلت في حياة ملايين الناس بقراراتها، وفرضت عليهم قيودًا باسم الدين والأخلاق. وبالتالي فإن فضح ازدواجيتهم ليس انتهاكًا للخصوصية، بل عمل توعوي وأخلاقي.
وحين يُسلب الناس حرياتهم بسبب "شعرة خارجة من الحجاب"، يصبح كشف نفاق السلطة دفاعًا عن الحقيقة وليس "جريمة".
لقد أثبتت التجارب أن فضح الفساد والنفاق له أكبر الأثر على الفئة الرمادية في المجتمع- أي أولئك الذين لا يؤيدون النظام لكنهم مترددون في معارضته. هذه الفئة، بفضل تلك التسريبات، تستعيد وعيها وتبدأ في التمييز بين الخطاب الرسمي وواقع السلطة.
لهذا السبب، يجب الترحيب بنشر مثل هذه المواد، لأنها تحول الخوف إلى وعي، والجمود إلى فعل.
وحين يُطبق القانون بقسوة على المواطنين ويُخفَّف عن النخب، يبدأ رأس مال النظام الاجتماعي بالتآكل.
وتتولد عندها ثلاث ظواهر تهدد أي سلطة:
1. اللامبالاة المدنية.
2. المقاومة اليومية الهادئة.
3. الاستعداد النفسي لتقبل روايات بديلة عن النظام.
حتى بعض وسائل الإعلام القريبة من النظام اعترفت ضمنيًا بعمق هذا التناقض حين قالت، في معرض دفاعها عن شمخاني، إن "أسلوب حياة المسؤولين يجب ألا يكون غير قابل للنقد".
وهذا الاعتراف يعكس إدراكًا داخليًا بأن الفساد المترسخ داخل بنية النظام وأسر المسؤولين بات يُسرّع وتيرة الغضب الشعبي.
بين الفضح العام والاعتداء على الخصوصية
الحدّ الفاصل بين "الفضح العام" و"الاعتداء على الحياة الخاصة" واضح، فعندما يتعارض السلوك الشخصي لمسؤول مع القوانين التي يفرضها على الناس، يصبح الموضوع شأنًا عامًا.
في هذه الحالة، لا يُعد نشر الوثائق والفيديوهات فضيحة شخصية بل ممارسة لحق المجتمع في المعرفة والمساءلة.
إن فضح المسؤول يمكن أن يتحول إلى وسيلة لإعادة بناء الأخلاق العامة، لا إلى أداة انتقام. فالنظام الذي يستخدم "الأخلاق" كوسيلة للسيطرة، لكنه يعجز عن الالتزام بها داخل مؤسساته، سيواجه عاجلًا أم آجلًا أزمة شرعية حادة.
اليوم، أصبح التناقض بين "القانون لنا" و"الحرية لهم"متجذرًا في وعي الإيرانيين.
وتُظهر تجارب الاتحاد السوفياتي وألمانيا الشرقية ورومانيا وتونس أن الفضائح الموثقة والموجهة بعناية تسرّع الانهيار الداخلي، لأنها تزيل الخوف وتحوّل الوعي إلى فعل جماعي.
إذا أراد المجتمع الإيراني أن يُحوّل هذا الوعي إلى تغيير سلوكي ومؤسسي، فعليه أن يُصر على:
• التوثيق الدقيق.
• فضح المسؤول.
• والمتابعة القانونية والإعلامية المستمرة.
إن فضح الازدواجية البنيوية ليس مجرد كشف للفساد، بل هو إعادة بناء للأخلاق العامة- أخلاق تُختصر قاعدتها في جملة واحدة: "القانون إما يسري على الجميع، وإما لا يسري على أحد".
وصفت المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية، فاطمه مهاجراني، في تصريحات جديدة، استخدام الإكراه في مسألة الحجاب بأنه "تجربة فاشلة"، بعد أن كانت قد أشارت سابقًا ضمنيًا إلى أن دوريات "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" وسيلة للحد من "إبراز الجسد" في المجتمع."
وقالت مهاجراني، اليوم الثلاثاء 21 أكتوبر (تشرين الأول)، في مؤتمر صحافي، إن المجلس الأعلى للأمن القومي هو "أعلى مرجع في القضايا الكبرى للبلاد"، وإن الالتزام وتنفيذ قراراته "إلزامي على الجميع".
وأضافت أن أي إجراءات في المجالات الثقافية يجب أن تراعي "المواقف الثقافية في المجتمع"، لكن على الحكومة "مراقبة السلوكيات الخارجة عن المألوف"، كما يجب على المواطنين أنفسهم "المساعدة في هذا المجال".
يأتي ذلك في وقت أعلن فيه روح الله مؤمن نسب، أمين مقر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في طهران، في 17 أكتوبر عن تشكيل "غرفة وضع العفاف والحجاب" وتنظيم أكثر من 80 ألف عنصر يُطلق عليهم "الآمرين بالمعروف" للعمل كقوة لمراقبة الحجاب الإجباري.
وأكدت مهاجراني: "بالطبع لا يمكننا إعادة الحجاب بالقوة... هذه تجربة فشلت".
وفي الوقت نفسه، أشارت إلى أنه بالنظر إلى نهج الحكومة القائم على "المجتمعية"، يمكن الاستفادة من "قدرة المساجد" لتشجيع "احترام المواطنين للقوانين واللوائح المتعلقة بالحجاب الإجباري."
وخلال السنوات الأخيرة، وردت تقارير متعددة عن اعتداء عناصر "الأمر بالمعروف" على المواطنين أو تدخلهم في أسلوب حياتهم وملابسهم في الأماكن العامة، وتستمر هذه الضغوط لفرض الحجاب الإجباري على النساء.
وفي مؤتمرها الصحافي، دعت المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية النساء مجددًا إلى "العيش بعفة"، وأضافت: "لأننا مجتمع مسلم، يجب أن نحرص على عدم خلق انقسام في المجتمع".
وعند سؤالها عن تخصيص ميزانية للحجاب الإجباري، قالت إن بزشکیان مصمم على "تنظيم الميزانية"، ولم تُخصص أي ميزانية.
وفي مؤتمرها الصحافي الأسبوعي بتاريخ 15 أكتوبر، أعربت عن "عدم علمها" بالتقارير حول عودة دوريات الأمر بالمعروف إلى الشوارع، لكنها قالت في الوقت نفسه إن "إبراز الجسد" غير مقبول في الحكومة الإسلامية.
وفي الوقت الذي تستمر فيه مقاومة النساء في إيران ضد سياسة الحجاب الإجباري القمعية، أعاد عدد من مسؤولي النظام التأكيد على تنفيذ هذه السياسة بصرامة.
وطالب عدد من أئمة الجمعة وأعضاء البرلمان ومجلس خبراء القيادة في خطبهم الأخيرة بفرض مزيد من الصرامة في تطبيق "قانون الحجاب".
بالإضافة إلى ذلك، انتشرت خلال الأسابيع الماضية تقارير عن إغلاق وحدات تجارية، بما في ذلك المقاهي والمطاعم في مدن مختلفة، لأسباب تتعلق بعدم الالتزام بالحجاب الإجباري.
وعلى الرغم من تصاعد الضغوط الحكومية، تستمر مقاومة النساء ضد فرض الحجاب بالقوة.
في الأيام الأخيرة، أعاد بثُّ الاعترافات التلفزيونية لأمير حسين موسوي، الناشط في شبكات التواصل الاجتماعي، ضمن برنامج "20:30" في التلفزيون الرسمي الإيراني، إبراز ظاهرة قديمة إلى واجهة الاهتمام: الاعترافات القسرية.
وبعد بثِّ الفيديو، أعلن موسوي: "تقريبًا كل الجمل التي بُثّت كانت نتيجة إلقاء المحققين، وقد نُشرت بتحريف في التلفزيون".
هذه الحالة الجديدة تُذكّر بعشرات الحالات المشابهة منذ ثمانينيات القرن الماضي حتى اليوم؛ لكن لفهم أهميتها، لا بدّ من تجاوز المستوى السياسي للقضية، والتطرّق إلى ثلاثة أبعاد أقلّ ظهورًا: وسائل الإعلام باعتبارها مسرحًا للسلطة، ومكان الاعتراف، وجمالية الصورة.
هذه الأبعاد الثلاثة معًا تُكوّن شبكة من المعاني، لا تُمارَس فيها السلطة فحسب، بل تُعرَض أيضًا.
في الواقع، لم يعُد الاعتراف القسري في إيران مجرد أداة تحقيق، بل تحوّل إلى شكل من "الفنّ السياسي وطقوس السلطة الإعلامية".
السلطة والاعتراف.. من اللغة إلى الصورة
يقول الفيلسوف وعالم النفس الفرنسي ميشال فوكو في مشروعه "تاريخ الجنسانية": "في العصر الحديث، لا تطلب السلطة من الإنسان أن يصمت، بل تطلب منه أن يتكلّم".
ويرى أن الاعتراف هو اللحظة التي يعرّض فيها الفرد نفسه "لانضباط السلطة"، وأن حقيقته ليست في داخله، بل في اللغة التي تُفرَض عليه.
وفي إيران أيضًا، كان "الاعتراف" منذ البداية أداةً لإظهار السلطة، لكن منذ عام 2011، اتخذ شكلًا جديدًا – شكلًا بصريًا، مُعدًّا، وإعلاميًا.
وفي هذا البناء، لم تعد السلطة بحاجة إلى إخفاء التعذيب، بل تعيد تمثيله في إطار نظيف ومضاء أمام الكاميرا؛ كأن الحقيقة تفور من الاستوديو لا من تحت التعذيب.
وهذا ما يصفه الفيلسوف والكاتب الفرنسي غي دوبور في "مجتمع العرض": "الأنظمة السلطوية الحديثة لا تحكم بالقوة، بل بالصورة".
وسائل الإعلام.. مسرح تنفيذ السلطة
إن بثّ الاعترافات عبر الإذاعة والتلفزيون، وخصوصًا في برامج مثل "20:30"، جزء من تقليد قديم لـ"الاعتراف التمثيلي". وهذا العرض يحمل بعدًا رمزيًا وبعدًا تواصليًا: فبهذه الصور لا تهين السلطة المعارض فقط، بل تقول للمجتمع إنها ما زالت صاحبة الرواية الحقيقية.
وتشير تقارير مؤسسات دولية إلى أنه بين عامي 2009 و2019، بُثّت على الأقل 355 حالة اعتراف قسري من التلفزيون الرسمي الإيراني، وهذا الرقم نفسه دليل على تأصّل هذا النوع الإعلامي.
وكل اعتراف جديد هو في الحقيقة إعادة إنتاج للنموذج السابق: عرض لهزيمة الفرد وانتصار السلطة.
وفي حالة موسوي أيضًا، اتبع الفيديو قواعد هذا النوع المألوف: مونتاج دقيق، وضع صورته في إطار ثابت، واستخدام صوت هادئ مع توقفات، وكلها خدمت هدفًا واحدًا: "إلقاء الندم".
لكن كما يقول فوكو: "حقيقة الاعتراف ليست في كلام الفرد، بل في البناء الذي يمكّن الكلام".
وفي إيران، هذا البناء هو مؤسسة الإذاعة والتلفزيون، الوسيلة الإعلامية التي تحتكر إنتاج وتوزيع صورة السلطة.
من الزنزانة إلى الاستوديو.. مكان الاعتراف
التحول الكبير في أسلوب تنفيذ هذه الاعترافات هو تغيير المكان. ففي العقود الأولى للنظام الإيراني، كانت الفيديوهات تُسجَّل عادة في الزنزانة أو غرفة التحقيق، بضوء أصفر وجدران عارية. لكن منذ عام 2011، انتقل مكان التصوير إلى استوديوهات مهنية.
وكتب موقع منظمة "مدافعو السلامة" الحقوقي تقارير مقارنة بين إيران والصين: "في كلا البلدين، انتقلت الاعترافات من الزنزانات المظللة إلى فضاءات خاضعة للرقابة، مكانًا بين التحقيق والدعاية".
لهذا التغيير في المكان معنى عميق. ففي الزنزانة، كانت السلطة تُمارَس في الخفاء. أما في الاستوديو، فتعرض السلطة نفسها علنًا.
وقد أصبح استوديو الإذاعة والتلفزيون نوعًا من الزنزانة الرمزية: فضاء يُنفَّذ فيه التحقيق، ويُحوَّل التعذيب إلى جمالية.
الضوء الأبيض والخلفية الرمادية، إزالة كل أثر للمكان الحقيقي، والتصميم الصوتي المحسوب، كلها تهدف إلى محو أثر الواقع.
وبحسب الفيلسوف والكاتب الإيطالي جورجو أغامبن، في "حالة الاستثناء"، يكون هذا الفضاء "منطقة تعليق الإنسانية"؛ مكانًا بين الحياة والعرض.
وفي حالة موسوي أيضًا، لم يُعلن عن المكان الدقيق للتصوير، لكن من خلال الإضاءة وجودة الفيديو، يمكن القول إنه واضح أنه سُجِّل في استوديو مهني وتحت إشراف التلفزيون، لا في ظروف الاعتقال الطارئة.
جمالية الاعتراف.. لغة الصورة والجسد
إذا كان في ثمانينيات القرن الماضي، الوجوه الكدماء والأصوات المرتعشة علامة على التعذيب، فإن علامات اليوم تغيّرت، فحلّت محلها الهدوء المصطنع، والضوء الأبيض، والخطاب الخاضع للرقابة.
ويُظهر تحليل الجمالية لهذه الفيديوهات كيف تُبنى اللغة البصرية للسلطة.
- الضوء واللون: الضوء البارد من الأعلى يضيء الوجه لكنه يترك الخلفية في الظلام. وهذا التباين البصري استعارة لفصل "الحقيقة" (الحاكم) عن "الخطأ" (السجين).
- زاوية الكاميرا: غالبًا ما تُؤخذ من الأعلى أو من الأمام، لا من مستوى العين. ويُذكّر هذا التكوين المشاهد بأن الشخص في موقع متدن، وأن نظرة السلطة تشرف من الأعلى.
- الجسد والصوت: جسد السجين منكمش ولا يتحرك؛ وصوته رتيب وهادئ. فهو لم يعد شخصًا، بل أداة لنقل رسالة مكتوبة مسبقًا. وفي كثير من الحالات، الكلمات متكررة: "مُرتبط بالأجانب..."، "لقد خُدعت"، "أنا نادم".
وهذه الكلمات هي رموز اللغة الرسمية للسلطة، لا كلام الفرد.
- المونتاج والموسيقى: غالبًا ما تُرافق الفيديوهات موسيقى حزينة ومقاطع من "الفوضى" أو "الأعداء الخارجيين" لدمج "الشعور بالذنب والتهديد". ونتيجة لذلك، فإن المشاهد لا يرى الرواية فقط، بل يخضع عاطفيًا أيضًا.
تفاعل الأبعاد الثلاثة.. وسائل الإعلام والمكان والجمالية
هذه الطبقات الثلاثة ليست منفصلة، بل متشابكة. فوسائل الإعلام توفر مسرحًا عامًا لعرض السلطة؛ والمكان الاستوديو يمكّن من التحكم في الفضاء وإزالة الواقع؛ وجمالية الصورة تعيد إنتاج الشعور بالخضوع والذنب.
وفي النهاية، تُبنى صيغة واحدة تتكرر منذ عقود: صورة شخص وحيد، أمام نظر قاضٍ غير مرئي، في غرفة فارغة، بضوء بارد وصوت لا يصدر عنه بل عن السلطة.
لكن لم يعُد أثر هذا العرض كما في السابق. ففي العقود السابقة، كان من الممكن أن يقبل المجتمع الرواية التلفزيونية، لكن اليوم، في عصر شبكات التواصل، تُنجب كل صورة نقيضها في اللحظة. يكشف المستخدمون خلف الكواليس، يحللون الكلمات، ويكشفون الكذب بمقارنة الوجه والنبرة.
والاعتراف الذي كان من المفترض أن يكون أداة للخوف، يتحوّل إلى وثيقة فضيحة.
وحالة موسوي تُظهر ذلك أيضًا: فبعد ساعات من بث الفيديو، امتلأت شبكات التواصل بتحليلات مقارنة، وفي النهاية استرجع هو نفسه الرواية. وهذا التحول علامة على تغيّر وظيفة الاعتراف، من أداة سيطرة إلى أداة كشف.
أزمة الرواية.. الاعتراف كهزيمة للسلطة
في الظاهر، الاعتراف علامة على السلطة، لكن في الواقع هو علامة على أزمة الشرعية.
فكلما احتاجت السلطة إلى اعتراف جديد لتثبيت نفسها، يعني أن لغتها الرسمية لم تعد تُسمع. وكما يقول دوبور، في "مجتمع العرض"، كل صورة تتمرد على صانعها. ومصير الاعتراف القسري في إيران هو كذلك: صورة من المفترض أن تُظهر الخضوع، تتحول إلى دليل على المقاومة.
تحتاج الأنظمة السلطوية إلى العرض للبقاء، لكن العرض يموت عندما يغادر المشاهد المسرح.
وفي إيران اليوم، ينظر كثير من المواطنين إلى مؤسسة الإذاعة والتلفزيون لا كوسيلة إعلامية، بل كمنبر دعائي. وهذا يعني أن عرض السلطة قد فقد جمهوره.
وصورةُ موسوي، بعينينِ مُرهقتين ونورٍ باردٍ يغمر وجهه، قد تكون في أعين المخرجين الأمنيّين رمزًا لـ"انتصار النظام"، لكنّ المشاهد الذي يعيش في فضاء إعلامي حرّ يسمع منها صرخةً أخرى: هزيمة سلطة لم يعد بوسعها الكذب إلا على خشبة مسرح.
نشر مقطع فيديو لزفاف ابنة علي شمخاني في الفضاء العام لم يكن صدفة. ففي بلدٍ تخضع فيه أصغر معلومة أو صورة لرقابةٍ أمنيةٍ صارمة، فإن تسريبًا كهذا لا بد أن يكون ذا هدفٍ سياسي واضح.
هذا التسريب هو إشارة إلى صراع السلطة داخل النظام الإيراني، وجزء من المنافسة الخفية على مرحلة ما بعد خامنئي؛ صراعٌ بات يمتدّ اليوم إلى ساحات الفضيحة والتصفية الإعلامية المتبادلة.
فقر الشعب وبذخ الحكام
الفيديو الذي التُقط في فندق "إسبيناس بلاس" بطهران يُظهر نظامًا يعتقل الآلاف ويقمعهم بسبب خصلة شعرٍ تظهر من رأس امرأة، لكنه في المقابل يحتفل في قمة البذخ والاستهتار. تأتي هذه المشاهد في وقتٍ يرزح فيه الإيرانيون تحت وطأة التضخم والفقر وانعدام الثقة.
وبالتالي فالقضية لا تتعلق بحفل زفافٍ فحسب، بل هي رمزٌ للفجوة العميقة بين فقر عامة الناس وثراء أصحاب السلطة. هذه المرة رأى الناس بأعينهم ما كانوا يعرفونه منذ زمن، لكن لم يسبق أن شاهدوه بهذا العُريّ والوضوح: انهيار السلطة من داخلها.
المال.. السلطة.. المافيا
أقيم هذا الحفل في 18 أبريل (نيسان) 2024، حيث تصل كلفة ليلة الزفاف إلى نحو أربعة مليارات تومان، وتبلغ تكلفة تزيين مدخل القاعة بالورود خمسين مليون تومان.
عائلة شمخاني مُدرجة منذ زمن في قوائم "المافيا الاقتصادية" للنظام الإيراني: حسين شمخاني، نجل علي شمخاني، يُعد من أبرز عناصر شبكات الالتفاف على العقوبات والتجارة النفطية، وقد فُرضت عليه عقوبات من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبريطانيا. أما وكالة "بلومبرغ" فقد وصفته بأنه "ملياردير نفطي" ووسيطٌ بين طهران وموسكو في نقل المعدات العسكرية.
أما والده، علي شمخاني، فقد ردّ على موجة الانتقادات قائلًا: "يا أولاد الحرام، ما زلت حيًّا!"، وهي جملة مقتبسة من الفيلم الشهير "بابيون" الذي عُرض مدبلجًا في إيران.
النظام في صورته الحقيقية
لطالما حكم النظام الإيراني المجتمع بشعارات "الدين والعفاف والبساطة"، لكنه يرى اليوم وجهه الحقيقي في المرآة. إن فيديو زفاف شمخاني ليس مجرد وثيقة مصوّرة، بل مرآةٌ تعكس جوهر البنية الحاكمة؛ نظامٌ قام على ركيزتين: الكذب الأيديولوجي والرياء الأخلاقي، وهو اليوم يهدمهما بيديه.
شمخاني ليس مجرد شخص، بل رمزٌ لمنظومةٍ تحترق بصراع مافياتها الداخلية. التسريبات المتكررة ما هي إلا جزءٌ من معركة داخلية للبقاء في زمن ما بعد خامنئي. غير أن الضحية في كل ذلك هي حياة الناس وثقتهم، وليس نظاما ينجو بعد انهيار الثقة.
ستار لم يعد موجودًا
كان النفاق يعمل طالما هناك ستارٌ يستره. أما اليوم، فكل تسريب يجعل هذا الستار أرقّ، والحقائق أكثر انكشافًا. نشر هذا الفيديو لم يعمّق فقط الهوة بين الشعب والسلطة، بل كشف أيضًا أن صراع العصابات الحاكمة على الخلافة وصل إلى ميدان الإعلام والرأي العام.
في بلدٍ يعدّ فيه "السفور" جريمة، بينما تعدّ "الوقاحة" فخرًا، لم يبقَ شيءٌ يُخفى. ربما قال شمخاني: "ما زلت حيًّا"، لكن ما لم يعد حيًّا هو الثقة؛ ومع موتها، ينهار النظام من الداخل.
سئل الصحافي البريطاني الشهير جون سنو قبل سنوات، خلال ندوة في جامعة "سواس" بلندن، متحدثًا عن رحلاته إلى طهران: كيف يمكن للقناة الرابعة البريطانية أن تصل بسهولة إلى المسؤولين الإيرانيين، فتوقف لحظة ثم قال: "هم يُصفّرون، ونحن نذهب".
كانت هذه الجملة لحظة نادرة من الصراحة، واستعارة واضحة عن ضعفٍ عميقٍ في الصحافة الغربية.
منذ عقود، يخلط العديد من الصحافيين الغربيين بين "الوصول إلى إيران" و"فهم إيران"، ويعتبرون "الإذن الرسمي" من المسؤولين الإيرانيين بمثابة "مصداقية مهنية".
كثير من التقارير الغربية تُعزز الوهم القائل إن هناك داخل النظام الإيراني جناحًا "معتدلًا" أو "إصلاحيًا" مستعدًّا لانتهاج سياسة أكثر ودية تجاه الغرب، بشرط أن تُظهر الولايات المتحدة وحلفاؤها بعض الليونة.
لكن تغطية وسائل الإعلام الغربية تتجاهل حقيقة جوهرية، وهي أن في إيران نشأ جيلٌ شابٌّ عالميّ الفكر، علمانيٌّ بوضوح، لم يعد يريد العيش تحت سلطة دكتاتورية دينية.
الصحافيون الأجانب العاملون في إيران مضطرون إلى العمل تحت إشراف مباشر للسلطات الإيرانية.. والمنسقون والمساعدون المحليون الذين يعملون معهم غالبًا ما يكونون عملاء معتمدين من النظام.
وفي الواقع، الحكومة هي التي تحدد مع من يُسمح للصحافيين الغربيين بالتحدث، وأي الشوارع يمكنهم دخولها، وأي القصص يمكنهم سردها. أما تكلفة العصيان، فهي الطرد الفوري من البلاد.
لذلك، يفضّل معظم الصحافيين الغربيين البقاء في إيران والالتزام بالتعليمات التي تُفرض عليهم. والنتيجة هي شكل من أشكال الصحافة التي تنقل الأخبار من خلال عدسة النظام الإيراني؛ وتغطية إعلامية تعكس الرواية الرسمية وتتجاهل تناقضات النظام الداخلية.
عندما دعت إيران مؤخرًا وسائل الإعلام الغربية لتغطية تبعات الحرب التي استمرت 12 يومًا، قبل العديد من المؤسسات الكبرى الدعوة.
ومع ذلك، لم تُشر أيٌّ منها إلى المشهد الأبرز في شوارع طهران: النساء اللواتي يخرجن بشجاعة في الأماكن العامة دون الحجاب الإجباري متحديات القانون وتهديدات النظام.
اقتصرت تقارير تلك الوسائل على إحصاءات الضحايا المدنيين، وأجرت مقابلات مع شهود اختارهم النظام بنفسه، ثم أعادت نشر الرواية الرسمية نفسها، بعبارات مختلفة قليلًا.
وهكذا حافظ الصحافيون على إمكانية دخولهم إيران، لكن حقائق المجتمع الإيراني غابت عن تقاريرهم.
منذ ثورة عام 1979، كانت التغطية الغربية متأخرة دائمًا عن الواقع الإيراني بعقدٍ كامل.
في السنوات الأولى بعد الثورة، صوّر الصحافيون الأجانب شعبًا موحّدًا خلف روح الله الخميني، متجاهلين الليبراليين والقوميين والمتدينين الذين عارضوه.
وبعد عقدين، قدّموا فوز محمد خاتمي في انتخابات عام 1997 على أنه ولادة "الإصلاحيين داخل النظام"، بينما كانت الحقيقة أن فوزه تعبير عن احتجاج شعبي من الأسفل إلى الأعلى، وليس مشروعًا للإصلاح من داخل النظام.
ومنذ ذلك الحين، استمر الصحافيون في تكرار السيناريو الوهمي نفسه عن "المعتدلين" في مواجهة "المتشددين".
وحتى اليوم، لا يزالون يصفون كل انتخابات صورية في إيران بأنها "معركة مصيرية من أجل مستقبل إيران"، في حين أن جميع المرشحين يخضعون لحدود صارمة رسمها علي خامنئي.
حين وُقّع الاتفاق النووي في عهد حسن روحاني، وصفته وسائل الإعلام الغربية بأنه انتصار للاعتدال، بينما كان الاتفاق في الواقع مشروعًا صاغه ووافق عليه خامنئي نفسه.
وبينما ينشغل الصحافيون الغربيون بتغطية الصراعات الشكلية بين أجنحة النظام، فإن المجتمع الإيراني نفسه قد تغيّر: جيلٌ شابّ، منفتح عالميًا، علمانيّ بوضوح، رفض سلطة رجال الدين على حياته.
إن انتفاضة النساء الإيرانيات- من حركة "المرأة، الحياة، الحرية"عام 2022، إلى المقاومة اليومية ضد الحجاب الإجباري-
تشكل أطول تحدٍّ مستمرٍّ ضد النظام منذ تأسيسه. ومع ذلك، نادرًا ما تُروى هذه القصص في الإعلام الغربي. فالاهتمام الغربي يتجدد فقط عند ذروة الاحتجاجات، لكن ما إن تُخمد بفعل القمع الدموي، حتى تعود وسائل الإعلام إلى روايتها القديمة عن "المعتدلين" المزعومين.
عندما تظهر الصحافيات الغربيات في طهران بالحجاب الإجباري على الهواء مباشرة، يسمين ذلك "احترامًا للثقافة المحلية"،
لكن الحقيقة هي أنه لا يمكن تبرير الإكراه بأي ذريعة ثقافية.
ملايين النساء الإيرانيات يخاطرن بالسجن لمجرد رفض الحجاب الإجباري، بينما تتواطأ الصحافيات الأجنبيات مع النظام بقبولهن الانصياع له.
بالطبع، هناك استثناءات نادرة. فالمراسلة إيزابيل يونغ من قناة "فايس نيوز"، في فيلمها الوثائقي عن إيران بعد وفاة مهسا أميني عام 2023، اختارت الصدق على حساب "الوصول"، فطُردت من إيران في منتصف عملها.
لكن عدا هذه الحالات، يقبل معظم الصحافيين الغربيين القيود التي يفرضها النظام الإيراني.
والمفارقة أن المؤسسات نفسها التي احتجّت بشدة على قيود إدارة دونالد ترامب في المؤتمرات الصحافية بالبيت الأبيض،
تخضع بكل طواعية لرقابة النظام الإيراني.
وهذا لا يُعدّ مجرد خطأ مهني صحافي، بل فشل استراتيجي أيضًا. فالسياسيون الغربيون يعتمدون على التقارير الإعلامية لتشكيل فهمهم لما يجري داخل إيران. وعندما تُسيء وسائل الإعلام تفسير الواقع الإيراني، تُخطئ الحكومات الغربية في سياساتها أيضًا.
لقد راهنت الولايات المتحدة وأوروبا لسنوات على "إصلاحيين" أو "معتدلين" لا وجود لهم، وتفاوضت مع رؤساء بلا سلطة حقيقية، وتجاهلت احتمال انهيار النظام من الداخل. وفي النهاية، الإيرانيون هم من يدفعون ثمن هذه الأخطاء.
ينبغي أن تُعلّق جملة جون سنو: "هم يُصفّرون، ونحن نذهب" على مدخل كل غرفة أخبار تغطي الشأن الإيراني. فهي تلخص الانحراف الأخلاقي في صحافة الوصول: كلما صفّر النظام أكثر، هرولت وسائل الإعلام أسرع.
إيران اليوم ليست كما تصفها وسائل الإعلام الغربية. إنها بلدٌ يعيش فيه ملايين الناس ثورة صامتة يوميًا، نساءٌ يتحدّين الحجاب الإجباري بجرأة، في قيادة ثورة أخلاقية، ونظامٌ دينيٌّ لا يبقى إلا لأنه يقمع معارضيه بالرصاص. وفي الوقت نفسه، المراقبون الخارجيون يردّدون صدى الرواية الرسمية للنظام.
الخيار أمام الصحافيين الغربيين واضح: إما أن يستمروا في الركض كلما صَفّر النظام، وإما أن يبدأوا أخيرًا بالاستماع إلى أصوات الناس في الشوارع.